دراسات

رنا الصباغ ... مجلس النواب عندما ينقلب السحر على الساحر

التاريخ : 05/07/2009


كتب : رنا الصباغ

المصدر : العرب اليوم

حكومة الذهبي تعاملت مع تحدي التغييرات ببراغماتية وواقعية ضمن حدود المستطاع .. لكن مجلس النواب ضاع بين تمرد نواب جدد.

تتناسل الضغوط الشعبية لترويح مجلس النواب, سيما بعد أن دخل معركة كسر عظم مع الاعلام على وقع ترسيخ تقاليد لعلاقة مقلقة قائمة على المقاولة بالقطعة بين الدوار الرابع والعبدلي, لتحاشي عرقلة جهود التحديث وتمرير قوانين, بعضها غير شعبي.

من الواضح الان أن صدور إرادة ملكية بحل مجلس ولد في ظروف استثنائية غير صحية خريف 2007 ليكون مجلسا مطواعا يضمن غالبية ثابتة للحكومة, سيلقى قبولا شعبيا واسعا. على أن قرارا كهذا, بخاصة إذا لم يربط بموعد وآلية للانتخابات المقبلة مع تغيير قانون الصوت الواحد, سيعرّض الاردن الرسمي لمساءلة المجتمع الدولي, الذي يراقب بقلق ضعف المؤسسات الدستورية والتفرد في عملية صنع القرار السياسي, بحسب دبلوماسيين حاورتهم كاتبة هذا المقال.

فالدول الاوروبية, مثلا, تصر منذ خمسة أعوام على ضرورة تغيير القانون الحالي لصالح تحقيق عدالة أكبر في تمثيل المواطنين, بغض النظر عن الاصل والفصل. وفي آخر اجتماع عقد في بروكسل قبل أسابيع لمراجعة طلب الاردن انتزاع وضع متقدم مع الكتلة الاوروبية, أثيرت تساؤلات حول مستقبل عملية التصويت. وقد يبدأ المانحون الاوروبيون والامريكيون في ربط الدعم المالي والاقتصادي الحيوي بشرط برنامج أوضح للإصلاح السياسي.

عودة إلى الداخل, حيث بات حل المجلس مطلبا شعبيا بسبب تخبطّه وتناقضاته, التي عمّقت بدرجة كبيرة التراجع الحاصل في صورة هذه المؤسسة الدستورية الحيوية خلال السنوات الماضية.

حل المجلس, إن كان ضمن خيارات صانع القرار, قد يساعد الحكومة على تمرير قوانين مؤقتة تصب في المصلحة الوطنية العامة في التطوير والتحديث مثل الضريبة, الضمان الاجتماعي, المالكين والمستأجرين, والعقوبات بدلا من إخضاعها لحسابات الصراع مع الحكومة أو المناكفات النيابية البينية. لكنه لن يساهم في تحقيق الاستقرار الداخلي المنشود, أقله في المدى المتوسط, ما لم يأت في سياق مشروع وطني لمأسسة إصلاح سياسي, عماده قانون انتخاب يحسن شروط اختيار النائب ويساعد على خلق أحزاب سياسية ببرامج واضحة تستطيع التأثير في آلية اختيار الحكومات المستقبلية.

كذلك يتطلب أن تشهر البرنامج الجديد حكومة كفؤة تسترجع تفاصيل الولاية العامة, بقيادة شخصيات سياسية من طراز رفيع مدعومة بأمناء عامين من طبقة التكنوقراط. أي حكومة تحظى بالقبول, لها مواقف واضحة قادرة أن تقول نعم أو لا وتظهر قدرة على التواصل مع الشارع وعلى الاشراف على انتخابات حرة ونزيهة?

لكن مشهد البيت السياسي الداخلي غير واضح.

إذ ثمة تساؤلات مشروعة في أوساط الساسة والحزبيين حول مدى توفر الرغبة في تغيير قانون الانتخاب, في زمن باتت كل همسة تطالب بتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في صنع القرار تربط بمبالغات رزمة إصلاحات التسوية - أي إصلاحات أردنية من أجل تصفية القضية الفلسطينية على حساب الاردن وهويته وبنيته وتكوينه.

ما يرشح أن غالبية أعضاء مجلس الوزراء مع تعديل قانون الانتخاب على أساس انه لم يعد ممكنا الاستمرار بطريقة الصيغ القديمة المتهالكة (ثنائية الدولة وجهة أخرى). ولا بد من محاولة لخلق كتل برلمانية جاهزة ذات برامج واضحة. وهناك لجنة وزارية منهمكة في صياغة مشروع تطبيق اللامركزية الادارية على مستوى المحافظات. وهناك شبه إجماع على أن بنود قانون الانتخاب التي نوقشت مئات المرات قابلة للتبلور خلال أسابيع, ما يساعد على إجراء انتخابات برلمانية وبلدية عام 2010 بدلا من الانتظار لعام ,2011 موعد الاقتراع الدستوري.

لكن صانع القرار السياسي ومن ورائه الامني, لم يحسم الامر بعد لجهة تغيير قانون الانتخاب في زمن المتغيرات السياسية الاقليمية. وبحسب ما يرشح من معلومات, فإن اشاعات التغيير الحكومي في تراجع, بينما بدا الذهبي لمحدثيه أخيرا أكثر ثقة ببقائه في منصبه, من خلال الحديث عن خطط عمل مستقبلية واضحة.

بانتظار بلورة خارطة طريق لإصلاح سياسي تدريجي قائمة على معادلة خلاقة تقوي مؤسسات الدولة من دون أن تبدو وكأنها تعيد ترتيب الاوراق السياسية كاملة صوب محاصصة سياسية, سيستمر تعمق مشاعر الفراغ في الادارة الكلية على حساب المساحة الاستراتيجية المتوافرة لصانع القرار.

وسيستمر التطاحن بين ما يسمى ب¯ رجال العهد الجديد والقديم حول النفوذ والمكاسب, وليس حول أولويات الوطن. وسيواصل رجال العهدين مناكفة مشروع انتهاج طريق ثالثة يحمله عدد من الوطنيين الاصلاحيين داخل جهاز الدولة.

فما يحصده الاردن الان نتيجة بذور قانون الصوت الواحد عام ,1993 حين سعت القيادة آنذاك لكبح جماح المعارضة السياسية بقيادة الاسلاميين وتحضير الارضية لتمرير معاهدة السلام مع إسرائيل عام .1994

الفرق واضح بين دور المجلس وتركيبته الداخلية عام 1989 والمجالس التي انتخبت على أساس الصوت الواحد. سابقا, كان المجلس مسيسا, قويا سيطر عليه رجال دولة من طراز رفيع, موالاة ومعارضة, لسياسات الحكومة على أسس سياسية وطنية واضحة. ثم تحول المجلس إلى مكان أضحى فيه النائب خادما لعائلته أو للمرجعية التي ضمنت نجاحه. وباتت محاسبة النائب تتم على أساس عدد المواطنين الذين نجح في تشغيلهم في الجهاز الحكومي أو الموقف الذي اتخذه من مسألة رقابية أو تشريعية.

عام ,1989 بدأت محاولات قوية لمحاكمة الفساد عبر فتح ملفات سابقة. دخل أعضاء المجلس في نقاشات عامة غير مسبوقة مثل سياسة وتدخلات الاجهزة الامنية في تفاصيل المشهد الداخلي.

اليوم نرى مجلسا يقر صيغة قانون جديد ثم يتراجع عنها من باب النكايات. أعضاء يتسابقون للفوز برحلة راحة واستجمام ومياومات إضافية تحسن من وضعهم.

لكن لماذا التعجب والاستهجان? فمجلس النواب الحالي يعكس المثل الشعبي عندما ينقلب السحر على الساحر.

فالحياة السياسية تلقت ضربة خلال العقد الماضي بفعل ضغوط مراكز القوى وصراعها حول نهج إدارة الدولة. كما فشلت رهانات رموز الليبرالية الاقتصادية على تشكيل حكومات تكنوقراط منزوعة الدسم بينما تعمل هيئات وحكومات ظل على تسريع برنامج إصلاح شامل, احد أركانه تأسيس هوية وطنية جديدة بعيدة عن العصبية الاردنية والفلسطينية, وعلى تدوير الطبقة السياسية التقليدية لصالح قوى اقتصادية جديدة في المجتمع. في السياق, ثمة محاولات لإعادة تركيب الدولة لتواكب التوليفة الجديدة.

ثم جاءت ترتيبات انتخابات 2007 التي وصفها الغرب ب¯ الفضيحة السياسية. وصدر تقويم مماثل لها من قبل المركز الوطني لحقوق الانسان.

تشارك غالبية رجال الدولة في تبني الاستراتيجية الانتخابية الاخيرة كل ل¯ رغبة في نفس يعقوب ضمن عنوان اكبر هدفه, دعم برنامج التحديث وتكسير نفوذ الاسلاميين بسبب مخاوف من علاقاتهم بحماس وبمخطط إيران السياسي للمنطقة.

 النتيجة كانت تراجع النفوذ الاسلامي من 17 إلى ستة مقاعد. نجحت تلك الاستراتيجية بدعم غير مقصود وفره الاسلاميون أنفسهم نتيجة صراعاتهم الداخلية وطريقة اختيار المرشحين, وفشلهم في تنفيذ برنامج داخلي واضح يتجاوز الاسلام هو الحل.

بعض المشاركين في الاجتماع الاستراتيجي إياه قبل بالمعادلة بعد حصوله على ضمانة البقاء في مقعد بات مريحا. البعض أراد تعزيز حضوره ونفوذه المتنامي فضلا عن تأجيل استحقاق خيار الوطن البديل الذي بدأ يتفعّل بجدية بعد قرار إسرائيل المضي في بناء الجدار العازل والانسحاب الاحادي من قطاع غزة. آخرون دخلوا اللعبة مطالبين بحصة في ضمان انتخاب 30 نائبا من الوجوه الاقتصادية والسياسية الجديدة ممن تدعم أجندة اللبرلة الاقتصادية-الاجتماعية ولا ترى فائدة كبيرة في تأجيل استحقاقات السلام أو الاستسلام القادم.

لكن تلك الطبخة جاءت ضمن معايير معينة اختلفت لاحقا مع خروج مراكز قوى أساسية من هياكل الدولة. وهكذا انقلب السحر على الساحر, وسيتواصل ذلك في غياب إدارة واضحة لمأسسة إصلاح سياسي يعزز أساسات الدولة.

حكومة الذهبي تعاملت مع تحدي التغييرات ببراغماتية وواقعية ضمن حدود المستطاع, وخرجت بأقل الاضرار, بحسب آخر استطلاع أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الاردنية لكن مجلس النواب. ضاع بين تمرد نواب جدد لإقناع الرأي العام بأنهم مستقلون لا يخضعون لإرادة أحد, وبين غضب مفاتيح المجلس التقليدية التي تصرفت بانتقامية بعد تهميش دورها في التوليفة الجديدة. في المحصلة, تخلخلت الكتلتان اللتان اعتمدت عليهم الحكومة في الاستراتيجية الانتخابية ما أضطرها لزيادة العطايا والمنح والكوتات التي قبلها غالبية النواب من دون تردد أمام رأي عام محبط من الانكسارات المعيشية الداخلية وغياب أفق قيام دولة فلسطينية مستقلة. وجاءت النتيجة البائسة في استطلاع الشهر الماضي ليستمر عبر التصويت الشعبي في الصحف, بعد افتعال مواجهة مع الاعلام.

بالامس, سارع النواب لاحتواء الشرخ مع الصحافة. لكن قواعد اللعبة لن تتغير كثيرا وستبقى على حساب الوطن والمواطن.

في الاثناء, ينتظر غالبية الاردنيين بلورة هوامش المراجعة التي وعد بها الملك عبدالله الثاني عشية بدء العشرية الثانية للعهد الملكي الرابع, لتسريع الاصلاحات وتجنب الاخطاء والتقصير?.


العنوان :
الأسم :
البريد الإلكتروني (إختياري) :
التعليق :
الاختبار الأمني :

أدخل الكلمة أعلى في المربع وفي حال صعوبة قرائتها جرب كلمة اخرى
   
يرحب مرصد البرلمان الأردني بآرائكم وتعليقاتكم عل كل ما ينشر على موقعه،
على أن يجري التقيد بقواعد النشر وأخلاقياته المتعارف عليها عالميا.