دراسات

حسن طوالبة ... مجلس النواب غائب أم مغيب عن السياسة الخارجية

التاريخ : 02/08/2009


كتب : حسن طوالبة

المصدر : جريدة العرب اليوم

كثيراً ما يوجه إليّ سؤال من الأخوة والاصدقاء والمعارف, حول عدم تناول الشأن الداخلي في مقالاتي, سؤال من حقهم أن يوجهوه إلى أي كاتب وطني, لأن الوطن ملك للجميع, وشأن عام للجميع, وما يصيب الوطن من خير او شر يصيب الجميع.

علاوة على الاجابة التقليدية التي يتذرع بها الانسان, التي مفادها ان كل كاتب له اختصاص محدد, وقد يكون هذا الجواب مقنعا للبعض وغير مقنع للأغلبية, لا سيما أن معظم الذين وجهوا مثل هذا النقد يعرفون أني من مدرسة عقائدية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالشعب, ومعني بهمومهم وآمالهم وطموحاتهم, ومن الوجب أن أعبر عن كل هذه المشاعر والاحاسيس والآمال والطموحات.

هذا صحيح, لكن لكل إنسان ظرفه الخاص, يحدد له مسارات عمله كما أنني مقتنع مثل العسكري المحترف, لا يدخل منطقة تماس إلا بعد معرفتها وفحصها هندسياً, كي يتأكد من خلوها من الألغام الأرضية التي قد تنفجر لمجرد دوس إنسان فوقها. وأعتقد أن الشأن العام والسياسة الداخلية والخارجية في بلدنا وفي معظم بلدان الجنوب, محفوفة بالأسرار, وكل شأن من هذا القبيل يدخل في خانة السرية ولا يعرفه إلا نفر محدود من أصحاب القرار في السلطة. أضف أن الوثائق الخاصة بالاتفاقيات السرية والمعاهدات لا يتم الكشف عنها بعد مدة من الزمن كما هو معمول به في الدول الأجنبية.

وهناك ظاهرة أعرفها من خلال عملي في الاعلام لزمن طويل, ان المسؤولين العرب يثقون برجال الاعلام الاجانب اكثر من العرب المحليين, ويحصلون منهم على اخبار ومعلومات لا يمكن منها الاعلاميون المحليون.

ولذلك نجد ان معظم اخبار بلداننا تنشر في الصحف الاجنبية, بدعوى أنها سريعة الانتشار اكثر من وسائل الاعلام المحلية, ويحصل الاعلامي الاجنبي على مثل هذه الاخبار إما من خلال الصداقة مع المسؤولين أو من خلال التسريب الذي يأخذ طابع النشر السري من دون ذكر المصدر. ومنذ أن عدت الى بلدي بعد غياب طويل, لم اعد على صلة دقيقة وتفصيلية بالشأن الداخلي. وقد حاولت الاقتراب من مصادر صنع القرار في عمان, لكنني وجدت أن مجرد اللقاء مع أي مسؤول يحتاج الى وساطة وانا اكره الوساطة, واعتبرها من السلوكيات المنحرفة اذا شاعت في اجهزة الدولة, ولذلك قررت الانزواء في قريتي في اقصى شمال الارض, اتابع ما يجري في البلد من وسائل الاعلام المحلية والعربية.

وللأسف فإن وسائل الاعلام الاردنية ما زالت -الى حد ما- محكومة بعقلية الرقيب, وبالتالي تتمترس في خانة الامان, وبث اخبار الحكومة كما يريدها المسؤولون في الوزارات والمؤسسات, أي ان اخبار الحكومة هي التعريف بالانجازات المتحققة خلال فصل او سنة مالية محددة, وهذه الانجازات هي من الواجبات التي يكلف بها المسؤولون في الوزارات والمفروض أن تتم مساءلتهم عندما يقصرون في تنفيذها ولا يمدحون عندما ينفذونها, لأنها من صميم واجباتهم.

وبالمقابل عندما يسعى الصحافيون الى وضع ايديهم على مواطن الخلل والتقصير, يتطير المسؤولون من النقد, وقد ترفع شكاوى ضد هؤلاء الصحافيين الى المحاكم المختصة. وعليه فان مهمة العمل في الشأن المحلي مثل الذي يمشي في حقل الالغام غير المكتشف, فمن لا يملك جهاز كشف الالغام, لا يعرف متى ينفجر اللغم في وجهه.

ما دفعني لأن اسوق هذه المقدمة التقريبية التي قد تقنع البعض وقد لا تقنع آخرين, وكل معه الحق حسب وجهة نظره وموقفه من الموضوع. ما دفعني هو لقاء متلفز بث يوم الخميس الماضي في برنامج د. محمد المومني الذي استضاف نائبين; أحدهما الدكتور ممدوح العبادي, عندما تحدث في آخر البرنامج حول دور مجلس النواب في السياسة الخارجية, وما أثار انتباهي, بل أثار حزني ما قاله د. العبادي من أن مجلس النواب مغيب عن السياسة الخارجية, وأنه كنائب يستقي الأخبار الخارجية التي تهم الشأن الأردني من الصحف المحلية والعربية. ولا أدري هل مجلس النواب مغيب من قبل السلطة التنفيذية أم أنه غائب عن هذا الشأن بإرادته..?

أعرف أن السلطة التشريعية هي أولى السلطات في الدستور الأردني وأن الملك شريك فيها من خلال تعيينه مجلس الأعيان ورئيسه. وعليه فإن السلطة التشريعية ممثلة في مجلس الأمة (الأعيان والنواب) هي التي تعبر عن حال الشعب, بل هي لسانه والنابضة بهمومه وآلامه. وبالتالي فهي السلطة التي يجب ان تعرف كل ما يهم المواطن سواء في الشأن الداخلي او الخارجي. فمن حق المواطن ان يعرف لماذا بلغ العجز في الميزانية هذا الرقم الكبير الذي يقترب من مليار دولار, ومن حق المواطن ان يسأل النائب الذي انتخبه كي يمثله في مجلس النواب, ما حقيقة الوضع الاقتصادي في البلاد.. ومن حقه كما يسمع الاشاعة تلو الاشاعة, ان يسأل عما يقال أن وزارة الصحة غير قادرة على توفير اللقاحات اللازمة لمرض انفلونزا الخنازير. في حين يسمع أن مسؤولاً في الدولة يصرف ملايين الدنانير مكافآت للمسؤولين والموظفين في مؤسسته.

عشرات الأسئلة تدور في ذهن المواطن حول الشأن الداخلي, ومن حقه أن يوجهها الى نائب منطقته. وإذا كان النائب لا يعرف الإجابات الدقيقة الشافية, فإنه يقع في حرج كبير أمام ناخبيّ دائرته وبالتالي لا يعود الممثل الصالح لهذه الدائرة.

والأمر نفسه بالنسبة للشأن الخارجي, لا سيما في زمن الفضائيات والانترنت, حيث يسمع المواطن عشرات الاخبار والقصص والسيناريوهات حول مستقبل المنطقة والاردن منها, بل هو المعني بها بالدرجة الاولى, إذ ان معظم ما يسمعه المواطن من أخبار سواء كانت سرية في إطار الحرب النفسية, أو أخباراً حقيقية لها أصل وخلفية, كلها تخص الأردن ويشعر المواطن بأنه يقف في وسط عاصفة هوجاء تريد أن تقتلعه من جذوره. ولذلك فإنه بحاجة الى مصدر موثوق يقول له الحقيقة.

قد تكون معظم الاخبار المعنية مصممة في دوائر الاستخبارات الخارجية خاصة الصادرة من المسؤولين الصهاينة, والمقصود منها الاثارة والاستفزاز كما يقول البعض, لكن تجارب الماضي البعيد والقريب أن كل فكرة يخرجها العقل الصهيوني, تتحول بفعل الإرادة والتصميم الى واقع عملي, وعليه فإن التعامل مع المشاريع والأفكار الصهيونية, ليست من قبيل الاثارة والاستفزاز بل لا بد من التعامل معها بقدر من الجدية والتحسب لما سيجري في المستقبل.

الكنيست الصهيوني الذي يمثل الاحزاب في اسرائيل, يعبر عن آمال وطموحات اليهود الصهاينة, المتمثلة في اقامة دولة يهودية خالصة غرب النهر في أقل تقدير, تمهيداً لتوسيع دائرة هذه الدولة لتشمل ما طرحه شعارهم القائل "وطنك أيها اليهودي من النيل الى الفرات". وعلى هذا الاساس, فإن تصريحات اليهود الصهاينة التي قالوها قبل ربع قرن حول جعل القدس الموحدة عاصمة دولتهم صارت حقيقة, فمعظم القدس قد هُود حيث تم هدم الأحياء العربية في القدس الشرقية, وتم شراء أو مصادرة بيوت عربية, ولم يبق إلا المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة, وبالأمس أحد اليهود اليمينيين قال بالحرف "فليأخذوا حجارة المسجد الأقصى وقبة الصخرة, ويعيدوا بناءها في مكة" والمشكلة الأهم والأكثر خطورة على الأردن هي قضية اللاجئين الفلسطينيين حيث يرفض الصهاينة بالأمس واليوم عودتهم وفق القرار الأممي (194), وبالتالي فإنهم يطرحون إسكانهم حيث يعيشون, ولما كان معظمهم يعيش في الأردن, فإن الأردن وفق هذا المنطق هو الوطن البديل للاجئين.

إن هذه الأنباء المقلقة للمواطن الأردني, تجعله عصبي المزاج, ميّالاً للاعتكاف والانزواء, أو ميالاً للتطرف, الذي يعبر عنه الشباب هذه الايام بالتمرد على القوانين في الأفراح, فقد تحولت مناسبات الفرح الى حالات من العبث والتمرد والعنف. وقد زاد من عصبية المواطن الوضع الاقتصادي الصعب للغالبية العظمى منهم, الأمر الذي دفع أعدادا كبيرة منهم للإقدام على مغامرة مالية, والإسهام في أعمال المؤسسات والبورصة الوهمية, التي خسرتهم ما يملكون.

إن من حق الموطن على الحكومة ومجلس النواب, أن يطلع على مجريات الأحداث, تجعله يقف على أرضية صلبة من الثقة والأمان والاستقرار.


العنوان :
الأسم :
البريد الإلكتروني (إختياري) :
التعليق :
الاختبار الأمني :

أدخل الكلمة أعلى في المربع وفي حال صعوبة قرائتها جرب كلمة اخرى
   
يرحب مرصد البرلمان الأردني بآرائكم وتعليقاتكم عل كل ما ينشر على موقعه،
على أن يجري التقيد بقواعد النشر وأخلاقياته المتعارف عليها عالميا.