دراسات

رنا الصباغ ... حتى لا يتأرجح مشروع قانون الانتخاب على حافة الجغرافية والديمغرافية

التاريخ : 06/12/2009


كتب : رنا الصباغ

المصدر : العرب اليوم

في الدولة اليوم ارغفة متعددة اسمها الاصلاح السياسي, كل خباز يحاول ان يدير قرص النار نحوه لخدمة اجندته ومصالحه في لعبة نفوذ شائك.

قرارا الملك الأخيران بحل مجلس النواب وتغيير قانون الانتخابات يوفران فرصة نادرة لوضع نوايا التحديث السياسي المتعثر منذ سنوات على المحك, وذلك عبر بوابة مجلس الأمّة والاقتراعات المجدولة خلال العام المقبل. في الميزان, إما تطوير السلطة التشريعية ومضمونها أو تفتيت ما تبقّّى من وحدتنا الوطنية عبر حشر العملية في مواجهة ضيقة بين الجغرافية والديمغرافية.

ويفترض أن تشكل الخطوات الملكية المفاجئة والمتلاحقة جزءا من مغامرة محسوبة النتائج من حيث تكاليف الربح والخسارة, أو أقله خطوة للحد من تراجع بقايا الإصلاحات التي رافقت العودة إلى خيار الديمقراطية عقب أحداث .1989 كما يؤمل أن تكون بداية مراجعة جادة, ولو متأخرة, بعد تحمّل مسؤولية نتائج الانتخابات التشريعية المشوهة قبل عامين, التي استهدفت خلق مجلس "مطواع" عبر عملية توافقية دعمتها مفاصل الدولة, كل منها لغاية في نفس يعقوب, قبل أن تفقد السيطرة عليه بعد تغييب من عهد إليه بإدارة لوحة التحكم بالجسم النيابي.

المعطيات كافة تشير ان الملك اتخذ قراره بنفسه تماشيا مع حقه الدستوري, حماية لحكومته ولما تبقىّ من هيبة الدولة, وقف تهديد مكاسب التحديث المتحققة, وتوفير وسادة داخلية مريحة لصانع القرار لمواجهة تحديات الأزمة الاقتصادية المتفاقمة وفشل قيام دولة فلسطينية مستقلة, راهن الأردن عليها لحماية أمنه الوطني.

خلال الأسابيع الماضية, كرّر الملك مصطلح »انتخابات مبكرة« في لقاءات تشاورية مغلقة مع سفراء دول غربية توفر لعمان دعما ماليا سنويا باتت تحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى مع انحسار المساعدات الخليجية وبدء تأثير الأزمة العالمية, التي رفض غالبية مسؤولينا الإقرار بأنها قد تضربنا.

مصطلح "الانتخابات المبكرة" ساهم أيضا في تبديد مخاوف الغرب من تداعيات غياب مجلس النواب لفترة طويلة كما حصل بين عامي 2001 و,2003 مرّر خلالها أكثر من 200 قانون مؤقت

غالبية السفراء الآن, بحسب ما يرشح من معلومات, يبدون تفهما لدوافع حل المجلس, وعلى رأسها إحباط الملك من تصرفات أعضائه, سيما بعد فشل الحكومة في التواصل مع المجلس النيابي وإقناعه بضرورات إقرار قانون ضريبة وآخر لتحصين أموال الضمان الاجتماعي. ذلك التضاد استدعى فض الدورة الاستثنائية للمجلس وتأجيل الدورة العادية لمدة شهرين من باب التأني في دراسة الخيارات.
مقابل رأي الملك الأخير, كانت الغالبية في مطبخ صناعة القرار - بشقيه السياسي والأمني - تفضّل استمرار التعامل مع المجلس الاخير باعتباره الأكثر طواعية منذ بدء العمل بقانون "الصوت الواحد المجزأ" عام .1993 وقد بعثوا رسائل مباشرة وغير مباشرة تفيد بأنهم يدعمون إعادة انتخاب عبد الهادي المجالي على رأس المجلس, لدى بدء أعمال الدورة التي أجهضت قبل التئامها في 1/12/.2009

لكن الملك سبق الجميع مرة أخرى.

اليوم بات مطلوبا من رئيس الحكومة طلب إجراء تعديل جوهري لتكون التشكيلة على قدر المسؤولية لبدء الإعداد لإجراء الانتخابات وفق أحكام قانون عصري, وتطوير إجراءات العملية الانتخابية, تماشيا مع رغبة الملك في أن تكون مثالا في "الشفافية والعدالة والنزاهة", لتحصين العصرنة وتمكين المواطن من عيش كريم.

بالطبع, سيكون لهذه الأهداف الملكية الثلاثة تكاليف سياسية عالية الثمن لضمان حسن التنفيذ وتشجيع مشاركة شعبية ونخبوية واسعة تكسر روح التشاؤم والتشكيك حيال وعود التحديث, وتخلق توافقا مجتمعيا حول شكل وهوية الأردن الجديد القائم على أسس المواطنة, والمساواة في الحقوق المدنية, في ظل حكم القانون وفصل السلطات الثلاث.

بخلاف ذلك, سيستمر الدوران في حلقات مفرغة من الوعود البراقة على وقع إجراءات المماطلة والتسويف, تارة بحجة الأمن الوطني, وتارة لصعوبة الأوضاع في فلسطين والعراق. وستخسر الحكومة ما تبقى من صدقية لمصلحة الفوضى والتخبط والعنف المجتمعي.

"الانتخابات النيابية" يفترض أن تجرى, بحسب حسبة الاستحقاق الدستوري, خلال أربعة أشهر إلى عامين من تاريخ حل المجلس. ويرجح ساسة وحزبيون أن تجرى أواخر صيف ,2010 إن أريد لخطوة حل المجلس أن تتحول الى محطة انتقالية تعبر منها البلاد إلى مرحلة تحديث سياسي قائم على إصلاح الاطار القانوني للعملية الانتخابية, على نحو يعزز تمثيل جميع الأردنيين.

وفي حال فشلت هذه المخاطرة لجملة اعتبارات أهمها انتصار قوى الشد العكسي الداخلية على إرادة التغيير, قد يخسر الأردن معركته مع الاصلاح السياسي لعقود.

التحدّي الأكبر يكمن في غياب الاتفاق على مسألتين حيويتين: هل كان قرار الحل مفيدا بعد ان راحت السكرة وجاءت الفكرة? وما هو تعريف الاصلاح السياسي وحدوده المقبولة لغالبية مكونات المجتمع?

ففي الدولة اليوم أرغفة متعددة اسمها الإصلاح السياسي. كل خباز يحاول ان يدير قرص النار نحوه لخدمة أجندته ومصالحه في لعبة نفوذ شائك.

هناك بالتأكيد جهات عديدة متنفذة ستدفع صوب اقتراع مبكر, على إيقاع القانون الحالي مع تعديلات تجميلية لا تمس جوهر المخرجات, وذلك من باب الحفاظ على صورة الأردن الاصلاحية في الغرب ونسيجه الداخلي الحساس. في المقابل, ستدفع جهات أخرى بصلابة لتغيير القانون لضمان مخرجات أكثر عدالة من خلال فتح نقاش إشكالي حول مفهوم العدالة الموعودة وسبل تحقيقها عبر بوابة المحافظة على الجغرافية أو تعظيم نسب التمثيل الديمغرافية, ما قد ينعكس على الوحدة الوطنية الهشة اصلا? وهناك صوت ثالث سيطالب بوجود هيئات مستقلة لإدارة العملية الانتخابية, وربما إشراك مراقبين عرب وأجانب, لضمان النزاهة والشفافية التي وعد بها الملك?

في خلفية المشهد الداخلي المرتبك, تعتقد جهات عديدة بأنها كسبت من حل المجلس. منهم تيار الليبراليين الاقتصاديين, أقله من باب تصفية الحسابات مع المحافظين السياسيين وغيرهم ممن يعملون بمنهجية للحد من تمددهم. لكن هذه الجبهة تشعر أيضا بأن فرحتها لم تكتمل لأنها كانت تراهن على رحيل الحكومة والمجلس معا لاستعادة رونق رؤيتها الاشكالية لأردن المستقبل?
جهات أخرى, كتيار الإصلاحيين الوطنيين, تبدو متشائمة لجهة مستوى التغيير القادم مع إعادة تعيين السياسي المحافظ زيد الرفاعي, رئيسا لمجلس الاعيان, بدلا من استبداله بشخصية معروفة بشغف الدمقرطة.

المرحلة المقبلة ستكون صعبة في أحسن الاحوال. لكنها تحمل في طياتها بذور فرصة تاريخية لتطبيق رؤية الإصلاح الملكي عبر نقلها من الإطار النظري إلى الفعلي; خطوة على طريق الألف ميل.

على أي حال, قياس جدية الإرادة السياسية لبناء دولة الحداثة ستتمحور حول ثلاثة شروط; المتغيرات على قانون الانتخابات ومنظومة النزاهة المترافقة, تحديد موعد الاقتراع والجهة التي ستشرف عليه.

في المقابل, ينتظر الناس أن ينزل ساسة ومسؤولون عن الشجرة العالية التي علقوا عليها, ويستغلوا الفرصة الملكية الأخيرة في إجراء انتخابات متعددة الطبقات, نيابية ولا مركزية, وبلدية. الأولى لتفعيل دور مجلس الأمّة كسلطة تشريعية ورقابية من خلال كتل سياسية وأحزاب لها برامج عمل واضحة تتمثل في الحكومات القادمة وقادرة على منح أو سحب الثقة من دون تداخلات الأجهزة الامنية. والثانية لفرز هيئات خدمية موضعية في المحافظات, حتى يتفرّغ النائب لمهمته الرقابية والتشريعية. بعد انتهاء الانتخابات, ينتظر تشكيل حكومة إنقاذ وطني وإصلاح سياسي مدعومة من الكتل والأحزاب تحت القبّة, تكمل المشوار وتستعيد كامل ولايتها العامة. بالتزامن, يكون رئيس المجلس القضائي الذي عين قبل شهرين قد شرع في تطبيق إستراتيجية اصلاح شاملة لعصرنة السلطة القضائية يساندها إعلام يعمل لمصلحة الوطن, بعيدا عن الفزعات الفردية.

إذا, المطلوب تعديلات جوهرية متعددة المسارات لتطوير أدوات إدارة الحكم ضمن مشروع متكامل تدريجي يوازن بين استحقاقات الإصلاح وحماية هوية الدولة ومؤسساتها في مواجهة التحديات المقبلة.

فالجميع سئم من لعبة التجميل وبيع الأحلام في عالم إفتراضي. ومن حق الغالبية التفكير بمستقبل أكثر استقرارا, ورعاية أطفالهم في كنف دولة عصرية قادرة على خلق آليات مؤسسية لإدارة شؤون العباد الذين سيتضاعف عددهم خلال سنوات قياسا مع موارد الدولة, ما سيرتب استحقاقات في التركيبة السكانية وهياكل سوق العمل.

المستقبل الآمن للجميع سيأتي عبر قانون انتخابي يؤثر جذرياً في تقسيم الدوائر الانتخابية على أسس أكثر عدالة تضمن المساواة النسبية وتمنع نقل الأصوات بينها كما تضمن سرية التصويت, تضع ضوابط على المال السياسي وتزيد من حصة تمثيل المرأة. بالروحية نفسها, تنشأ هيئة وطنية عليا مستقلة تتمتع بالحياد والنزاهة للإشراف على مراحل العملية الانتخابية?

لضمان الوصول إلى الهدف, على الحكومة تحديده بوضوح بالتشاور مع الأحزاب وسائر فعاليات المجتمع المدني. المطلوب مجلس أمّة متوازن لحماية النظام والوطن والمجتمع أبطاله لا يمارسون دور البصيمة, بل تتمثل فيه معارضة ترفع شعار مصلحة الدولة من دون أن تشكل تهديداً للنظام الملكي الهاشمي الذي يظل محل إجماع وطني ومحصن بشرعية سياسية ودينية.

قد لا يحقق القانون المنشود كل الاصلاحات المطلوبة. لكن عليه تلبية طموح الغالبية لضمان مشاركتهم في ولادة مجلس تشريعي يمثل الشعب.

ستقاس العشرية الثانية لعهد عبد الله الثاني بمدى نجاح الدولة في تنفيذ برنامج اصلاحي اقتصادي-اجتماعي مدعوم بتحديث سياسي واضح المعالم والبرامج, يقنع غالبية مكونات المجتمع الأردني, وسط بؤر اشتعال ما انفكت تتفجر غرب وشرق المملكة.


العنوان :
الأسم :
البريد الإلكتروني (إختياري) :
التعليق :
الاختبار الأمني :

أدخل الكلمة أعلى في المربع وفي حال صعوبة قرائتها جرب كلمة اخرى
   
يرحب مرصد البرلمان الأردني بآرائكم وتعليقاتكم عل كل ما ينشر على موقعه،
على أن يجري التقيد بقواعد النشر وأخلاقياته المتعارف عليها عالميا.