دراسات

جواد البشيتي ... أي برلمان نريد ؟

التاريخ : 13/12/2009


كتب : جواد البشيتي

المصدر : جريدة العرب اليوم

أربعة مفاهيم مستغلقة على فهم المواطن عندنا, هي: النائب والبرلمان والشعب والتمثيل.

وإن بعضا من مسخ وتشويه تلك المفاهيم يمكن رده إلى ما يمكن تسميته الرياضيات السياسية التي نأخذ بها, فالبرلمان, أي هيئة أو مؤسسة تمثيل الشعب, نفهمه على أنه الحاصل من عملية جمع حسابي لأعضائه; وكذلك نفهم الشعب.

ولكن سوء الفهم هو أيضا طريقة في الفهم, يراد لها أن تسود وتهيمن, فذوو المصلحة في بقاء النظام الانتخابي على ما هو عليه, من حيث الجوهر والأساس, يفضلون نبذ الكيمياء السياسية, والأخذ بتلك الرياضيات السياسية.

البرلمان يتألف من نواب; ولكنه لن يكون أبدا هيئة لتمثيل الشعب أو الأمة إذا ما فُهِم على أنه حاصل جمع حسابي لأعضائه, فالبرلمان كمثل مُركَّب كيميائي, له عناصر; ولكنه يختلف, ويجب أن يختلف, في خواصه النوعية عن عناصره. والشعب يتألف من أفراد (وعائلات وعشائر..) ولكنه ليس بحاصل عملية جمع حسابي لأفراده.

أي برلمان نريد?

نريد برلمانا لا يخدع نفسه, ولا يخدع الشعب, إذا ما زَعم أنه يمثِّل الشعب, الذي لن يُمثَّل أبدا في برلمان لم يُنْتَخَب نوابه مع برامج سياسية (حزبية) فالنائب غير المحمول (إلى النيابة) ببرنامج سياسي حزبي, يَفْقِد, في وجوده وعمله, المعنى الحقيقي للنيابية.

إنها هوة سحيقة تفصل ما بين البرلمان الذي نعرف والبرلمان الذي يمثِّل الشعب; ولا يمكن اجتيازها إلا بقفزة كبرى واحدة لا غير. وهذه القفزة هي إعلان الوطن كله دائرة انتخابية واحدة, فيتحد اتحادا لا انفصام فيه البرنامج (السياسي) الانتخابي وقائمة المرشحين.

نعلم أن ليس لدينا من الحياة الحزبية ما يفي بهذا الغرض (الإصلاحي الديمقراطي). ولكن يكفي أن يتقرر انتخاب البرلمان المقبل على هذا النحو, وأن يتقرر, في الوقت نفسه, أن تبدأ الانتخابات الجديدة بعد سنة, أو سنة ونصف السنة, حتى تتغير أشياء كثيرة, فكثير من الراغبين في ترشيح أنفسهم سيضطرهم هذا النظام الانتخابي الجديد إلى الالتقاء والاجتماع (من كل حدب وصوب) في هيئة على هيئة حزب سياسي جديد, أو على هيئة تشبه الحزب, وقد تتحول, مستقبلا, إلى حزب. إنهم سيجدون أنفسهم مضطرين إلى أن ينتظموا سياسيا وانتخابيا, وإلى أن يتحدوا في قائمة انتخابية, متحدة ببرنامج, أو بشبه برنامج, سياسي.

والشروط الدستورية (الجديدة) يجب أن تكون مرنة وإيجابية بما يكفي لملء تلك الفترة الانتقالية, أي المسافة الزمنية التي تفصلنا عن موعد انتخاب البرلمان الجديد, بحراك سياسي كبير, فيقوى ويعم الحافز إلى الحزبية السياسية, وإلى الجماعية, في السياسة والفكر والانتخاب.. وفي شتى أوجه النشاط العام.

وهذا الذي قلناه, ونقول به, هو, على ما نرى, خير تقويم للتناقض بين الانتخاب الفردي والانتخاب الحزبي. ولا ضير في أن يُحْفَظ للمواطن حقه في الترشيح الفردي, أي في أن يرشح نفسه في الانتخابات البرلمانية بصفة كونه فردا, غير منتمٍ إلى أي حزب أو جماعة سياسية ¯ انتخابية, فإذا نال من الأصوات ما يكفي لتلبية الشرط القانوني للفوز, غدا نائبا إلى جانب زملائه من النواب الحزبيين.

ونستكمل الإجابة (عن سؤال أي برلمان نريد?) فنقول إن حكومة قوية, في سلطاتها وصلاحياتها, وفي صفتها التمثيلية, هي التي يجب أن تنبثق من هذا البرلمان, الذي أصبح يملك عيونا وآذانا وأسنانا.. ومرجعيات سياسية وحزبية لأعضائه, ويستطيع بالتالي أن يسن القوانين والتشريعات, وأن يراقِب ويحاسِب.


والفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية لا يتعارض, ويجب الاَّ يتعارض, مع الجمع بين النيابة والوزارة, فظاهرتا "النائب ¯ الوزير" و"الوزير ¯ النائب" لا تتعارضا مع هذا الفصل, الذي لا يقول به, ويقدسه, إلا كل من له مصلحة في بث الأوهام.

إننا لا نريد صراعا انتخابيا حارا يشبه لجهة هدفه النهائي الصراع الرياضي الكروي بين مصر والجزائر, فصراع انتخابي حار في سبيل نيابة لا تملك من أمرها شيئا, ولا تعرف من السياسة إلا ما يؤكد اغترابها السياسي, إنما هو المهزلة بعينها.

وحتى تصبح النيابة وخدمة الشعب أمرين يصعب تمييز أحدهما من الآخر, لا بد من النأي بهذا المنصب العام وشاغله عن كل امتياز يجعل النيابة سندا للنفس الأمارة بالسوء, وطريقا إلى الانفصال, وإلى مزيد من الانفصال, بين النائب والشعب, فالقانون يجب أن يجعل النائب كالجندي المحامي عن الوطن, أي يحمل روحه على راحته, وكالعامل أو الموظف الصغير, لا ينال من الأجر والمكافأة إلا ما يكفي لجعل النيابة طريقا إلى فقره إذا ما كان غنيا, وإلى بقائه على فقره إذا ما كان فقيرا, فكل ما يغري ضعاف النفوس بالنيابة يجب أن يُنزع منها, فلا يسعى لها إلا كل من وطَّن نفسه على الخدمة المجانية للشعب.

ولا ريب في أن كثيرا من النواب والمرشحين النيابيين سيزهدون عن هذا المنصب العام إذا ما تأكدوا أنه أصبح منصبا مفقرا لصاحبه, متعبا ومرهقا له.

وتوصلا إلى مزيد من الشفافية والصدقية, في العمل البرلماني, لا بد من إنشاء وتطوير هيئات ولجان ومنظمات (غير رسمية) تعنى بإصدار ونشر ما يشبه الكتاب الأبيض والكتاب الأسود, تُضمِّن الأول ما تحقق من الوعود الانتخابية للنائب وللحزب الذي ينتمي إليه, وتُضمِّن الثاني ما لم يتحقق منها, فالناخب يجب أن يكون على علم بالمصير النهائي الذي انتهت إليه تلك الوعود, وإلا ظل الفشل في العمل (النيابي) طريقا إلى النجاح (الانتخابي)!.


العنوان :
الأسم :
البريد الإلكتروني (إختياري) :
التعليق :
الاختبار الأمني :

أدخل الكلمة أعلى في المربع وفي حال صعوبة قرائتها جرب كلمة اخرى
   
يرحب مرصد البرلمان الأردني بآرائكم وتعليقاتكم عل كل ما ينشر على موقعه،
على أن يجري التقيد بقواعد النشر وأخلاقياته المتعارف عليها عالميا.