دراسات

عريب الرنتاوي ... إضاءات على الجدل الوطني الأردني حول الإصلاح الانتخابي

التاريخ : 14/04/2010


كتب : عريب الرنتاوي

المصدر : نشرة الإصلاح العربي

أطلق المركز الوطني لحقوق الإنسان (NCHR)، بالتنسيق والتعاون مع المعهد الوطني الديمقراطي للشؤون الدولية (NDI) حملة وطنية للإصلاح الانتخابي في الأردن: "التحالف الوطني الأردني لاصلاح الاطار القانوني الناظم للعملية الانتخابية".  بدأت الحملة العام 2009 بتنظيم سلسلة من الندوات وورش العمل في العاصمة ومعظم المدن الأردنية الرئيسة، وبحثت في أهم التعديلات الواجب إدخالها على قانون الانتخابات لضمان إجراء انتخابات عادلة ونزيهة وشفافة تنسجم مع المعايير الدولية للانتخابات، وتلبي تطلع الأردنيين إلى برلمان ممثل لإرادتهم وقادر على القيام بدوريه الرقابي والتشريعي.

مبادرة المركز ليست الأولى من نوعها، إذ سبق لمنظمات أهلية ومؤسسات مجتمع مدني ومراكز أبحاث أن أطلقت مبادرات شبيهة في سنوات سابقة، شاركت في إنجازها قوى سياسية وحزبية ومؤسسات مدنية ومنظمات نسائية أردنية عديدة. كانت المبادرة مهمة لجهة توقيتها قبيل إقدام العاهل الأردني على حل مجلس النواب الخامس عشر قبل أن يتمّ ولايته الدستورية، ودعوته الحكومة إلى إجراء انتخابات مبكرة وفقا لقانون انتخابي جديد.

وبعد سلسلة واسعة من النقاشات والحوارات، انتهى المركز الوطني لحقوق الإنسان و"التحالف الوطني الأردني لاصلاح الاطار القانوني الناظم للعملية الانتخابية" الذي شكّله المركز وقاده، إلى جملة من التوصيات والمقترحات التي تشكل بمجملها إطارا شاملا لإصلاح التشريعات الانتخابية وتكفل (في حال الأخذ بها) إجراء انتخابات عادلة ونزيهة وشفافة. وقد توزعت هذه المقترحات والتوصيات على محاور عدة، بعضها استهدف جوهر النظام الانتخابي وبعضها الآخر ركّز على الجوانب العملية والإجرائية للعملية الانتخابية.

في مضمون النظام الانتخابي، نصت التوصيات على تعديل قانون الصوت الواحد غير المتحوّل المعتمد في الأردن منذ العام 1993، واستبداله بنظام انتخابي مختلط يقوم على إعطاء الناخب الأردني صوتين، واحد لمرشح الدائرة الصغيرة والثاني للقائمة الحزبية /النسبية الوطنية. ودعت التوصيات إلى إعادة توزيع المقاعد وتصغير الدوائر الانتخابية وإعادة رسمها بصور تتوخى المساواة النسبية، وتأخذ بعين الاعتبار عوامل الديموغرافيا والجغرافيا والتفاوت التنموي في ما بينها. كما دعت إلى زيادة الكوتا النسائية وتخصيص مقعد واحد على الأقل للنساء في كل محافظة.

وتضمنت التعديلات المقترحة توصية بإنشاء مفوضية وطنية مستقلة تدير الانتخابات وتشرف عليها، بدلا من ترك الأمر لوزارة الداخلية كما هو معمول به حاليا، وحثّت على تجريم النقل الجماعي للأصوات وبيعها وشرائها، وقننت استخدام ما بات يعرف في الأردن بـ"المال السياسي" ووضعت ضوابط للإنفاق على الحملات الانتخابية. علاوة على ذلك، دعت التوصيات إلى خفض سن الناخب وتمكين المغتربين الأردنيين من ممارسة حقهم الانتخابي، وتوفير تغطية إعلامية متوازنة للانتخابات، وتمكين المجتمع المدني الأردني من ممارسة الرقابة على الانتخابات،  فضلا عن العديد من التوصيات الإجرائية والعملية المستلهمة من دروس الانتخابات الأردنية السابقة ومن الخبرات الدولية الأفضل.

لقد أثارت التوصيات التي انتهى إليها المركز والائتلاف الوطنيّان، جدلا في الأوساط السياسية والاجتماعية الأردنية، فقد قابلتها العديد من القوى الإصلاحية من أحزاب سياسية ومنظمات نسائية ومؤسسات مجتمع مدني بكثير من الارتياح، وانضمت إلى "التحالف الوطني الأردني لاصلاح الاطار القانوني الناظم للعملية الانتخابية" العشرات من هذه المنظمات في مختلف المناطق الأردنية، وبدأت نشاطا ميدانيا وعلى شبكة الانترنت من أجل الترويج لهذه التعديلات وحشد الدعم والتأييد لها.

لكن في المقابل، أبدت قوى سياسية واجتماعية أردنية تقليدية، تحفظات ملموسة على التعديلات والتوصيات التي صدرت عن المركز والتحالف، وجددت تمسكها بقانون الصوت الواحد كما هو معمول به حاليا ومن دون تعديل. كما رفضت إدخال التمثيل النسبي أو إجراء تعديلات جوهرية على توزيع المقاعد والدوائر الانتخابية. الحكومة، من جهتها، التزمت الصمت حيال الأفكار والمقترحات التي تقدم بها المركز الوطني لحقوق الانسان، وهي وإن وعدت بدراستها والتعامل بجدية معها، إلا إنها لم تقطع على نفسها أي التزام من أي نوع بالأخذ بهذه التوصيات، خصوصا تلك التي تتعلق بجوهر النظام الانتخابي وتوزيع المقاعد وإعادة ترسيم الدوائر الانتخابية، واكتفت الحكومة بالترحيب بالتوصيات المتعلقة بزيادة عدد مقاعد الكوتا النسائية في المجلس المقبل، وتغيير طريقة احتساب الفائزات في الانتخابات بصورة تراعي تمثيل مختلف المحافظات الأردنية. كما تعهدت بإجراء جملة من التعديلات الإجرائية واللوجستية على القانون الانتخابي، بحيث تجري العملية الانتخابية في أجواء أكثر شفافية ونزاهة.

والحقيقة أن معظم المراقبين للحراك الانتخابي والمتتبعين للجدل الوطني حول الانتخابات المقبلة، لايبدون تفاؤلا في إمكانية حدوث "اختراق" في عملية الاصلاح الانتخابي، ويستند هؤلاء إلى مايرشح من معلومات وتسريبات من أوساط حكومية بأن تعديلات طفيفة فقط ستطرأ على القانون الانتخابي، وأنها ستقتصر في معظمها على "الجوانب الإجرائية واللوجستية" فضلا عن تطوير نظام الكوتا النسائية. ويعزو كثيرون سبب تشاؤمهم هذا، إلى غياب "قوى الضغط المحلية" الكفيلة بوضع قضية الاصلاح الانتخابي الحقيقي في صدارة جدول أعمال الحكومة، فلا المركز الوطني لحقوق الانسان، ولا التحالف الوطني الذي أطلقه، بل ولا المجتمع المدني والأحزاب السياسية، يمتلكون القدرة والأدوات القادرة على إحداث تقدم ملموس على هذا الطريق.

والواقع أن تطوير الجوانب اللوجستية والإجرائية لتيسير العملية الانتخابية أمر بالغ الأهمية لجهة تشجيع المواطنين على المشاركة في الانتخابات وضمان نزاهتها وشفافيتها وتعزيز الثقة بنتائجها، إذ أظهرت دراسة استطلاعية أعدها مركز القدس للدراسات السياسية بالتعاون مع المعهد الوطني الديمقراطي للشؤون الدولية (NDI( العام 2009، أن 24 بالمائة من الذين لم يدلوا بأصواتهم في انتخابات 2007 إنما فعلوا ذلك لأسباب إجرائية ولوجستية تتعلق بمشكلات في بطاقات هويتهم أو كشوف الناخبين المسجلين وغيرها، وهؤلاء شكلوا في حينه ما يقرب من 10 بالمائة من إجمالي الناخبين.

والواقع أيضا أن تطوير الكوتا النسائية في البرلمان المقبل أمر بالغ الأهمية كذلك. فنسبة النساء في البرلمان الأردني لاتزيد عن 6.4 بالمائة فقط، في حين بلغ المعدل العام للنساء في البرلمانات العربية مالا يقل عن 9.2 بالمائة، وبلغت النسبة دوليا ما يقرب من العشرين بالمائة، وهي النسبة  نفسها التي تطالب بها نساء الأردن.

ومع ذلك،  هذه التعديلات على أهميتها لاتكفي، في حال الأخذ بها،  لتحقيق الإصلاح الانتخابي الذي ترنو إليه غالبية الأردنيين، بل أنها لاتدفع إلى الاعتقاد بأن البرلمان المقبل سيكون مختلفا نوعيا عن البرلمان المنحل، والذي قيل أن لاسبب سياسيا وراء حله بل السبب الرئيس (الوحيد) لحله هو ضعف أدائه الرقابي والتشريعي، وانصراف غالبية أعضائه إلى تقديم الخدمات الشخصية المنهكة لكاهل الحكومة والخزينة لأقربائهم ومؤيديهم، فضلا عن تغليب بعضهم لمصالحه الشخصية على حساب دوره الوطني العام.

ويخشى العديد من الخبراء والمختصين بأن تأتي انتخابات 2010 بمجلس شبيه بالمجلس المنحل، طالما أنها ستجري وفقا للقانون نفسه والآليات نفسها  تقريبا. وقد بلغ التشاؤم ببعضهم حد التكهن بأننا سنكون امام "تمديد" للمجلس القديم، حتى وإن تغيرت بعض الأسماء وتبدّلت بعض الوجوه.


العنوان :
الأسم :
البريد الإلكتروني (إختياري) :
التعليق :
الاختبار الأمني :

أدخل الكلمة أعلى في المربع وفي حال صعوبة قرائتها جرب كلمة اخرى
   
يرحب مرصد البرلمان الأردني بآرائكم وتعليقاتكم عل كل ما ينشر على موقعه،
على أن يجري التقيد بقواعد النشر وأخلاقياته المتعارف عليها عالميا.