دراسات

جواد البشيتي ... (القانون الجديد).. هل يأتي بـ (برلمان قدي)?!

التاريخ : 23/05/2010


كتب : جواد البشيتي

المصدر : جريدة العرب اليوم

هل قانون الانتخابات النيابية (المؤقت) الجديد جيد أم رديء?

الإجابة المطلقة عن هذا السؤال هي الخاطئة; لأن كل إجابة مطلقة خاطئة.

أما في الإجابة النسبية, التي هي وحدها الصحيحة, فلا بد من القول إن هذا القانون جيد ورديء في الوقت نفسه; ولكن نزاع المصالح في مجتمعنا لا ترضيه أبدا تلك الإجابة النسبية, فإن كل من له مصلحة في هذا القانون سيراه جيدا, وكل من يعتقد, عن صواب أو عن خطأ, أن القانون يضر بمصالحه سيعده رديئا.

القانون الجديد ليس اختراعا أردنيا خالصا; بل ليس اختراعا أردنيا من حيث الجوهر والأساس, فإنه, في كثير من بنوده ومواده وفقراته, معمول به في نظم ديمقراطية عريقة كفرنسا والنرويج, على ما قال, أو اكتشف, بعض مؤيديه عندنا.

القانون الجديد هو في المقام الأول, ومن حيث الأساس, قانون حكومي, وليس من صانع له, في الظاهر والعلن, سوى حكومة الرفاعي; ولقد ظهر إلى حيز الوجود السياسي في غياب مجلس النواب, الذي في زمن حضوره كان في غيبوبة سياسية وبرلمانية وتمثيلية; ولكن, دعونا نبدأ من رأي الحكومة نفسها في هذا القانون.

في رأيها, الذي أعلنته, قالت الحكومة إن القانون الجديد "يعبر عن إرادة المواطنين", وجاءت ثمرة نَظَر الحكومة في جميع آراء ومقترحات الأحزاب والمنظمات ومراكز البحث والمفكرين والكتاب والشخصيات السياسية والثقافية والاجتماعية وكل فئات الشعب الأردني في المدن والقرى والبادية والمخيمات, مؤكدة أنها, من خلال هذا القانون, تجاوبت مع توجهات غالبية الشعب الأردني.

هنا رودوس, فلِمَ لا تقفز الحكومة من هنا?!

إذا كانت الحكومة صادقة في زعمها أن هذا القانون يعبر عن إرادة غالبية الشعب الأردني, فلِمَ لا يدلي الشعب الأردني برأيه في هذا القانون عبر استفتاء شعبي تدعو إليه الحكومة نفسها?!

ربما لا تحبذ الحكومة فكرة الاستفتاء الشعبي, وتقول بانتفاء الحاجة الديمقراطية إليها, فمجلس النواب الجديد المقبل, والذي انتخبه الشعب, انتخابا حرا ديمقراطيا نزيها شفافا, سيقول كلمته في هذا القانون المؤقت, فهو, أي المجلس, الذي يحق له أن يحوِّل هذا القانون (الحكومي) من مؤقت إلى دائم.

مؤقتا, دعونا نرى ما تراه الحكومة, فالمقياس الذي سنقيس به ديمقراطية هذا القانون, وحجم التأييد الشعبي له, إنما هو البرلمان المقبل, ولجهة نجاح القانون الجديد في جعله مستوفيا شرط الاعتراف به على أنه البرلمان الأكثر تمثيلا للشعب.

ولكن, كيف?

القانون الجديد, على ما أفهمه, ثبَّت "الجغرافيا الانتخابية", وأحدث تغييرا (مثيرا للجدل والخلاف) في "الديمغرافيا الانتخابية", فالناخبون والمرشحون ظلوا, ومن حيث الأساس, موزعين في المناطق الانتخابية نفسها من الوجهة الجغرافية; أما المرشحون فأصبحوا "أسرى" دوائر (انتخابية) فردية افتراضية, تتألف منها المنطقة الانتخابية الثابتة جغرافيا.
وفي مقابل ذلك, أصبح الناخب في تلك المنطقة الانتخابية حرا في الإدلاء بصوته الواحد, لمصلحة مرشح واحد, ينتمي إلى أي دائرة فردية افتراضية (لها مقعد واحد فحسب) من الدوائر التي تتألف منها المنطقة.

سنقيس أول ما نقيس الحجم المطلق للمقترعين, أي عدد المواطنين الذين خرجوا من بيوتهم, وذهبوا إلى صناديق الاقتراع, وأدلوا بأصواتهم.

وسنقيس, من ثم, الأهم من ذلك, ألا وهو الحجم النسبي المزدوج, أي حجم هؤلاء المقترعين نسبة إلى حجم الناخبين المسجلين, ونسبة إلى حجم المواطنين الذين يحق لهم المشاركة في الانتخابات تصويتا.

القانون سيكون جيدا من الوجهة الديمقراطية, وبمعنى ما, إذا ما رأينا أن الحجم المطلق للمقترعين يعدل غالبية مزدوجة, أي يعدل غالبية من يحق لهم الانتخاب على وجه العموم, وغالبية الناخبين المسجلين على وجه الخصوص, فالقانون الانتخابي, أي قانون انتخابي, إنما تكمن أهميته الديمقراطية والسياسية في ما ينطوي عليه من دوافع وحوافز انتخابية; ولا ريب في أن القانون الانتخابي الجديد سيكون جيدا, بمعنى ديمقراطي ما, إذا ما استطاع أن يدفع غالبية المواطنين الذين لهم حق الانتخاب إلى أن يتحولوا إلى ناخبين مسجلين, وأن يدفع غالبية هؤلاء إلى أن يخرجوا من بيوتهم, ويذهبوا إلى صناديق الاقتراع, ويدلوا بأصواتهم.

إنني مع نظام الصوت الواحد إذا ما استوفى شروطه الديمقراطية; ولكنني أعتقد أن نظام الدوائر الفردية الافتراضية لن يحقق "العدالة والمساواة بين الناخبين في قوة الصوت", فأين هي المساواة في قوة الصوت إذا ما كان المرشح الراسب في الدائرة الفردية A مثلا قد حصل على عدد من الأصوات يفوق (أو يفوق كثيرا) عدد الأصوات التي حصل عليها المرشح الفائز في الدائرة الفردية B?!

وأين هي إذا كان الفائزون متفاوتين (أو متفاوتين كثيرا) في حجوم الأصوات التي حصلوا عليها?!

وهذا إنما يعني أن نقيس بمقياس ثان, فإن من الأهمية الديمقراطية بمكان أن نعرف الحجم النسبي للأصوات "الراسبة", أي الأصوات التي فشل أصحابها في أن يأتوا بممثلين لهم إلى مجلس النواب الجديد. ينبغي لنا أن نعرف نسبة حجم الأصوات "الراسبة" من حجم الأصوات "الفائزة", أي الأصوات التي نجح أصحابها في أن يأتوا بممثلين لهم إلى مجلس النواب, فهل من العدالة والمساواة في قوة الصوت; بل هل من الديمقراطية في شيء, أن يأتي مجلس النواب الجديد من مجموع أصوات يقل عن مجموع أصوات الناخبين المسجلين?!


العنوان :
الأسم :
البريد الإلكتروني (إختياري) :
التعليق :
الاختبار الأمني :

أدخل الكلمة أعلى في المربع وفي حال صعوبة قرائتها جرب كلمة اخرى
   
يرحب مرصد البرلمان الأردني بآرائكم وتعليقاتكم عل كل ما ينشر على موقعه،
على أن يجري التقيد بقواعد النشر وأخلاقياته المتعارف عليها عالميا.