دراسات

أحمد أبو خليل ... ما الذي فعلته الانتخابات بالمجتمع الأردني?

التاريخ : 30/05/2010


كتب : أحمد أبو خليل

المصدر : جريدة العرب اليوم

فيما يلي محاولة نقاش سريع لأثر الانتخابات النيابية على المجتمع الأردني منذ عام 1989 وحتى الآن. ولكي لا نبقى في العموميات, سوف أتناول أحد الأمثلة من منطقة واحدة, ويمكن للقارئ أن يجري ما يريد من المقارنات مع باقي المناطق. والمثال الذي سأناقشه هنا هو مثال لواءي الرمثا وبني كنانة, وسأبدأ بتقديم مختصر للتاريخ الانتخابي فيهما بسرعة.

قبل عودة الحياة البرلمانية عام 1989 كان الناخبون في اللواءين ينتخبون ضمن منطقة محافظة اربد كاملة, وكان على المرشح وأنصاره أن يتحركوا على مساحة واسعة "من الغور للأجفور" كما كان يقال, وفي انتخابات عام 89 جرى فصل اللواءين وأعطيا ثلاثة مقاعد, ومع هذا فقد كان على الناس أن ينخرطوا في علاقات تمتد على عدد كبير من القرى ويبحثون عن تحالفات واسعة, وهو ما نتج عنه انتخاب النواب قسيم عبيدات ومحمد الدردور وسليم الزعبي, لقد تمكن تحالف كبير شمل قطاعاً واسعاً في الرمثا مع قرى عشيرة العبيدات وأنصارها في بني كنانة من دعم مرشحَيْن وجدا نفسيهما يتفقان على تقديم البرامج العامة والمناطقية الواسعة نسبياً, كما تمكن المرشح سليم الزعبي من خوض حملة انتخابية لها محتوى سياسي واضح وخاضها إلى جانبه المشتغلون بالسياسة من مختلف الاتجاهات ومن مختلف القرى والمدن والبلدات في اللواءين ومن خارجهما أيضاً, ولم تجد أية مجموعة من الناخبين في أي موقع حرجاً من اتخاذ الموقف الذي تريده, وعلى العموم انخرط سكان اللواءين في علاقات متجاوزة للعشائرية والمناطقية إلى درجة كبيرة.

في انتخابات عام 1993 بدأ العمل بقانون الصوت الواحد, وقد أبقى القانون على ثلاثة مقاعد للواءين. وبالنتيجة انقلبت حركة المرشحين والناخبين بشكل ملحوظ, كل أخذ يبحث عن "جماعته" ويسعى لتحصينها من الاختراقات, ولكن مع ذلك فقد كانت هذه "الجماعات" عابرة للمدن والقرى في اللواءين, وهو ما أبقى فرصة معقولة لدائرة أوسع من العلاقات والبرامج وحافظ على بعض محتوى الحملات الانتخابية وخاصة عند المرشحين الأقوياء.

هذه الحالة تبددت كلياً في انتخابات عام 2003 حينما فصل اللواءين عن بعضهما انتخابياً وأعطي لكل منهما مقعدان وبالطبع وفق الصوت الواحد. تحت تأثير ذلك اندفع الناس في اللواءين إلى البحث عن دوائر أضيق للعلاقات والتحركات والبرامج, وبالطبع فإن محتوى هذه البرامج تراجع نحو الأهداف الضيقة التي تناسب جماعة الناخبين المفترضين وبالضد من الناخبين الآخرين, وقد ترافق ذلك مع الانتشار الواسع لفكرة "نائب الخدمات", لقد انحدر محتوى الحملات الانتخابية نحو التركيز على شخصية المرشح وانتمائه القرابي والمناطقي, وبرزت بقوة ظاهرة "الاجماعات" أو "تريب الدور" بين الراغبين في الترشح, أو مقايضة المراكز المجتمعية بين التجمعات "أعطونا النيابة نعطيكم البلدية", وانهمك الجميع بسؤال طغى على كل العملية الانتخابية في البلد ككل وهو: لماذا لا يكون المرشح منا من دون غيرنا? وفي حالة الرمثا وبني كنانة, راحت العشائر والقرى تخلق محاور خلاف جديدة أو تستعيد محاور الخلافات القديمة سعياً إلى التحشيد الداخلي, وسعى جميع المرشحين بحماس نحو أضيق دائرة تضمن النجاح أو تضمن ترسيب آخر أو الحصول على أصوات أعلى من أصوات خصم يتم تحديده, وكل مرشح يسعى إلى تعزيز دائرة علاقاته الخاصة.

الأمر نفسه تكرر عام 2007 ولكن مع الاستفادة من الخبرة "التفتيتية" السابقة, ولكن هذه المرة ترافقت الأجواء مع التدخلات التي لم يعد ينكرها أحد من قبل السلطة مما جعل المرشحين ينقسمون إلى صنفين: "مرشح موعود بها" و "مرشح على راسه".

ومع هذا فإن الصوت الواحد ضمن الصيغة السابقة وحتى الانتخابات الماضية 2007 أبقى للمرشحين مساحة تحرك ضيقة لكنها كانت تشمل اللواء كله. ولكن ما المتوقع في الانتخابات المقبلة بعد نظام الدوائر الوهمية?

نظراً لكون المرشح هو المسؤول عن تحديد دائرته الوهمية التي سيترشح فيها, فمن المتوقع أن ينقسم المرشحون (وليس الناخبون) إلى كتلتين في كل لواء, تخوض كل كتلة معركتها الخاصة, وستكون المنافسة بين أعضاء الكتلتين من المرشحين الذين سينخرطون في جهود تقسيمية جديدة للناخبين سعياً إلى تحصين الفريق الخاص بالمرشح ضمن الدائرة الوهمية.

في انتخابات عام 2007 كانت الأجواء متوترة, وفي لواء الرمثا مثلاً شهدت بلدة الشجرة, وهي التجمع السكاني الثاني من حيث الحجم في اللواء, صراعاً دامياً استمر عدة أشهر, كما توترت الكثير من العلاقات بين مختلف الأطراف, وفي منطقة لواء بني كنانة دخلت العشائر الكبيرة في علاقات توتر جديدة لكن التنافس مع العشائر الأخرى ساهم في ضبط تلك التوترات بالحد الأدنى, ولكن هذا الصنف من التنافس سينتهي في الانتخابات المقبلة, لأن كل عشيرة كبيرة ستسعى إلى حجز دائرة وهمية خاصة وستخوض صراعها الداخلي فيها. ويخطئ من يعتقد أن في ذلك شيء من التنافس, إنه التفتيت وليس التنافس. ولا أريد هنا أن أفرض تشاؤمي على القارئ ولكن أتمنى أن تكون الصورة أقل قتامة مما أراها أو أتوقعها.

دعونا نتذكر طبيعة العلاقات المجتمعية خلال السنتين الماضيتين, وخاصة لجهة عشرات المشاجرات الجماعية التي حصلت في البلد, وقد كان العنصر الانتخابي حاضراً في أغلبها, وقد حرص "النشطاء" في الانتخابات إلى تثبيت العنصر الانتخابي وزجه في المشاجرات سعياً إلى التحشيد الداخلي والاستقطاب, وفي كثير من الأحيان كان النشطاء الانتخابيون يقفون ضد الصلح ويرغبون في استمرار التوتر. وفي هذا السياق لا يمكن اعتبار لواء الرمثا مثلاً حالة نموذجية للتوترات السيئة, فهذا اللواء معروف باتساع علاقات أهله وانخراطهم في مصالح ومصادر رزق فيها قد من التداخل مع المحيط والخارج, وعلينا أن ننتبه إلى حالة مواقع أخرى تشهد قدراً أكبر من الانغلاق أو الخصوصية.

لقد قادت قوانين الانتخاب المتتالية إلى بعثرة متنامية للمجتمع الأردني, وإذا كان من غير الممكن التصدي لهذا النهج على الصعيد السياسي أو القانوني بحكم طريقة سن القوانين السارية, فإن على المجتمع أن يبحث عن الصيغ التي تكفل له الحد المعقول من الحماية الذاتية في وجه التفتيت الذي تفرضه هذه القوانين سنة بعد أخرى.

إن الهدف من أية عملية انتخابية حقيقية في البلدان الديمقراطية هو أن يدخل الناس في حوار وطني يحددون فيها أولوياتهم للسنوات الأربع القادمة ويختارون ممثليهم في تحقيق هذه الأولويات أو في الرقابة والتشريع من أجل تحقيقها, وووفقاً لهذا المقياس يصعب أن نسمي ما يجري في الأردن "انتخابات نيابية", إنها أقرب إلى تجديد زعامات محلية, ولا أقول "زعماء محليين".

إن المجتمع أمام مهمة حماية نفسه من اعتداء السلطة ومن الآثار السلبية لقوانينها, وهي مهمة تعني كافة الأطر والعلاقات التي ينخرط فيها الناس, من اقتصاد واجتماع وثقافة وعلاقات جيرة وتبادل منافع ومصالح.. الخ. إنها مهمة المجتمع كله باستثناء المستفيدين مباشرة من التفتيت الجاري.


العنوان :
الأسم :
البريد الإلكتروني (إختياري) :
التعليق :
الاختبار الأمني :

أدخل الكلمة أعلى في المربع وفي حال صعوبة قرائتها جرب كلمة اخرى
   
يرحب مرصد البرلمان الأردني بآرائكم وتعليقاتكم عل كل ما ينشر على موقعه،
على أن يجري التقيد بقواعد النشر وأخلاقياته المتعارف عليها عالميا.