دراسات

وليد حسني ...إسعافات الذاكرة والأوراق في أزمات النواب والصحافة

التاريخ : 29/03/2012

ــ في مجلس 14.. قضى 104 نواب 14 سنه و280 ليله خارج الاردن في 4 سنوات

ــ نواب مجلس 15 باعوا الاعفاءات الجمركية بـ 50 الف دينار

ــ مجلس 16 يكرس قاعدة الصراع مع الاعلام على اساس الامتيازات الشخصية للنواب


عمون - كتب وليد حسني - خاص - ما جرى تحت قبة مجلس النواب المهيبه الثلاثاء الماضي ليس جديدا وليس اختراعا من اختراعات المجلس السادس عشر، ففي كل التفاصيل التي تختزنها ذاكرتي واوراقي ما يدلل على ان ثمة معادلة في غاية الغرابة تفرض نفسها على مسطرة العلاقة بين النواب والإعلام.

والمعادلة التي يمكنني صوغها تبدو في غاية البساطة، فوراء كل ازمة بين النواب والاعلام تقف"امتيازات النواب" ومصالحهم الذاتية.

وكل الشواهد تؤكد على ان النواب يلجؤون لتصفية حساباتهم وبناء سياج هش من الدفاع عن مصالحهم في اللحظة التي يقف الاعلام والناس فيها ضد تعزيز مكتسباتهم الذاتية.

وبدأت العلاقة بين مجلس النواب والاعلام تاخذ شكلا من المواجهة المباشرة في مجلس النواب الرابع عشر"2003 ــ 2007 "، وانتقلت العدوى الى المجلسين التاليين الخامس عشر والسادس عشر الحالي، بينما لم يتم تسجيل ازمات كبرى بين الاعلام والمجالس النيابية السابقة.

والتفاصيل في هذا الجانب كثيرة جدا، إلا انني ساتوقف عند بعض منها فقط:

أبرز هذه الازمات كانت في المجلس الرابع عشر عندما ناقش المجلس مشروع قانون اشهار الذمة المالية الذي احتاج لثلاث جلسات متقطعه من اجل اقراره.

في الجلسة الاولى لمناقشة القانون استثنى النواب انفسهم من احكام القانون، ومنحوا انفسهم امتياز البقاء خارج مطلب تقديم اشهارات بذمتهم المالية.

كنا نحن الصحفيون البرلمانيون"العرب اليوم والدستور والراي والغد وبترا " نراقب المشهد عن قرب، وتوافقنا في لحظتها على ان يكون العنوان الأبرز في صحفنا هو"النواب يستثنون انفسهم من احكام قانون اشهار الذمة المالية"، وصدرت الصحف اليومية الاربعة في اليوم التالي وهي تحمل نفس العنوان ، وقامت قيامة النواب واطلقوا حملة ضد الاعلاميين الاردنيين واتهموا الصحف بان من كتب العنوان هو قلم واحد وفي يد واحده تجلس في غرفة بعيدة عن مكاتب الصحف.

وقام الاعلاميون الاردنيون بتوجيه انتقاداتهم المباشرة لهذا العبث الذي تم في القانون، ورفضوا انحياز النواب لمصالحهم الشخصية، بينما كانت ماكينة الغضب النيابي تذهب الى التأزيم الى ابعد حد ممكن.

في الجلسة التالية دخل النواب قبة "الشعب" وهم يحملون ضغائن لا يعلمها الا الله، وبدأت حفلة طويلة من الردح العظيم لتصل الى شتم الصحفيين والمطالبة بطردنا من المجلس، واعلنا احتجاجنا على ما قاله النواب وقررنا مغادرة القبة.

وقررت الصحف مقاطعة المجلس، وتحت الضغط الاعلامي والشعبي تراجع المجلس عن استثناء نفسه من احكام قانون اشهار الذمة المالية، وانتصرت الصحافة ورقابة الشعب على النواب.

وفي ازمة اخرى كانت الامتيازات الشخصية للنواب عنوانا مفتوحا فيها عندما تولت الصحف نشر تفاصيل عن الليالي التي قضاها النواب خارج المملكة في وفود متتالية، ولم يستطع النواب في حينه تجاوز رقابة الصحافة والشعب على سفرياتهم الباذخه.

ووصلت الازمة في حينه الى حد الاشتباك اللفطي بين السلطتين "التشريعية وصاحبة الجلالة" بعد ان لجأ النواب الى تازيم العلاقة والتهجم على الصحفيين وكيل الاتهامات في ازمة اضيفت نتائجها لاحقا الى سجل الازمات التي افتعلها النواب مع الصحافة وخشروها بجدارة بعد ان انتصرت الصحافة ورقابة الشعب على النواب.

في هذه الازمة يكفيني القول انني في نهاية المجلس الرابع عشر نشرت تقريرا موثقا حمل العديد من المعلومات الصادمه عن سفر النواب الى الخارج، ففي خلال السنوات الاربع من عمر ذلك المجلس كان 104 نواب قد قضوا 14 سنه وحوالي 280 يوما خارج المملكة، وتكفي هذه المعلومات للتدليل على حجم المصالح الشخصية والامتيازات الذاتية التي كان النواب ينحازون اليها ابان نيابتهم، ولا يجدوا عدوا امامهم غير الصحافة والصحفيين.

وفي ازمة اخرى كانت لصيقة جدا بالامتيازت المباشرة للنواب والمتعلقة بحصولهم على إعفاءات جمركية لسياراتهم، فقد دخل النواب والصحفيين في ازمة طاحنة ادت الى مواجهة بينهما، وتحت وطأة هذه الأزمة تم تأجيل صرف الامتيازات اشهرا، لكن في النهاية حصل النواب على اعفاءات جمركية لسياراتهم، وتحولت مكاتب النواب الى بورصة لبيع الاعفاءات لوكلاء السيارات، ووصل سعرالاعفاء الواحد الى خمسين الف دينار.

وفي مسلسل هذه الازمات تقف مشكلة اتفاق النواب على رفع مكافاتهم الشهرية لتصل الى 4800 دينارا شهريا في المجلس الخامس عشر، وفي هذه الازمة ذهبت الصحافة الى حد المواجهة الشرسة مع النواب، وقاطعت اعمالهم، قبل ان تنتصر الصحافة والشعب على النواب.

لقد شهدت العلاقات بين النواب وصاحبة الجلالة العديد من المحطات الساخنة والمواجهات الخطرة تحت عناوين تتعلق بامتيازات النواب الشخصية فقط الذين يحتدون ويذهبون الى الاتهام والتهجم عندما يتعلق الامر فقط بحديث الصحافة عن تلك الامتيازات.

هنا لم اتطرق للعديد من التفاصيل الاخرى، على نحو عدوان النواب على الزملاء الصحفيين تحت قبة المجلس وضربهم وتكسير كاميراتهم، ولم اتوقف عند الانتصارات التي حققتها الصحافة على النواب الذين ينحازون فقط لمصالحهم وامتيازاتهم، او حتى الصراعات المحصورة بين النواب والصحافة في جولات الشد والجذب، او حتى مقاضاة الصحفيين، مرورا بالازمة التي شهدها المجلس الحالي في دورته العادية الاولى بعد ان منح 111 ثقة لحكومة سمير الرفاعي الثانية.

في هذه الازمة الناشبة الان بين النواب والصحافة ثمة ما يقال عن تفاصيل اخرى، تتعلق هذه المرة بمنهجية عمل خطرة غير مسبوقة تتعلق برهن قانون الانتخاب بالحصول على امتياز التقاعد وهو ما كنت قد اشرت اليه مبكرا في مقالة سابقة، مما يؤشر على ان النواب قد تجاوزوا دورهم الدستوري الرقابي والتشريعي الى الإنخراط في لعبة مقايضة الاصلاح السياسي بثمن يحصلون عليه.

ما يجري الان اكثر من خطر فقد تحول النواب الان الى ما يشبه الدخول الى حلبة مراهنة، اما قانون الانتخاب ، ووضع البلد ورغبات الناس، ودور الصحافة والصحفيين في فرض رقابتهم الاخلاقية والاجتماعية والقانونية والسياسية على اعمال النواب فهذا ما لا يرغب به الممثلون تحت قبة الشعب.

في النهاية كل ازمة تنشب بين النواب والصحافة يكون سببها الرئيسي الامتيازات الشخصية للنواب ورفضهم المطلق لرقابة الصحافة عليهم، وفي كل تلك المعارك فان الصحافة الاردنية وكامل الزملاء الصحفيين كانوا يخرجون من تلك المواجهات مكللين بالنصر .. وهذا ما سنراه قريبا في ازمة جوازات السفر والتقاعد النيابي
 


العنوان :
الأسم :
البريد الإلكتروني (إختياري) :
التعليق :
الاختبار الأمني :

أدخل الكلمة أعلى في المربع وفي حال صعوبة قرائتها جرب كلمة اخرى
   
يرحب مرصد البرلمان الأردني بآرائكم وتعليقاتكم عل كل ما ينشر على موقعه،
على أن يجري التقيد بقواعد النشر وأخلاقياته المتعارف عليها عالميا.