دراسات

تقاعد النواب والثغرات القاتلة

التاريخ : 15/09/2014

 كتب :د.رحيل غرايبة، الدستور

جاء إقرار مشروع قانون التقاعد المدني للنواب والأعيان والوزراء في ظل مرحلة اقتصادية في غاية الحرج، وبعد مضي وقت قصير على أزمة اضراب المعلمين ومطالبتهم بعلاوة (التبشورة) حيث أعلن رئيس الحكومة أن الاقتصاد الأردني يمر بأسوأ حالاته، خاصة وقد تم رفع الدعم عن كثير من السلع الأساسية للمواطنين من أجل توفير بضعة ملايين على الخزينة العامة للدولة التي يصعب تبريرها.
 
ابتداء يجب أن نتفق على ضرورة النظر إلى وضع النائب المادي وما يترتب على عمله من مصاريف ونفقات منظورة وغير منظورة، مما يقتضي معالجة هذه المسألة بمنطق العدالة، ووفقاً لمعايير سليمة يقبلها العقل والمنطق، وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى بعض الأمور وبعض العيوب الفاقعة .
 
العيب المخل بمشروع القانون هو الجمع بين التقاعد والمكافأة للنائب، عندما يعود للنيابة مرة أخرى، فهذا خلل لا يمكن تبريره، فعندما يعطى النائب مكافأة مجزية تصل إلى (3500) دينار تقريباً، فيجب أن يتوقف راتبه التقاعدي فوراً، لأن فلسفة التقاعد تقوم على معنى حفظ كرامة النائب بعد مغادرته البرلمان، وحرمانه من المكافأة، ولذلك هذا العيب يجب معالجته لأنه يصادم منطقاً تشريعياً أصيلاً معمولا به منذ فترة طويلة، وفي دول كثيرة في العالم، حيث يقتضي المبدأ عدم جمع الشخص بين راتبين حكوميين في وقت واحد، فالأصل عندما يأتي النائب إلى البرلمان مرة أخرى أن يتم الاكتفاء براتب واحد فقط.
 
العيب الثاني يتعلق بمدة الخدمة الفعلية، حيث يفرض المنطق التشريعي إقرار مبدأ المساواة في القطاع العام، ويمكن تمييز النواب من خلال رفع قيمة التقاعد، واحتساب اشتراكات الضمان، بالإضافة إلى وجوب النظر إلى معيار « السن» في التقاعد الذي يتم فرضه وفقاً لمعيار عادل ومنطقي، في ظل النظر إلى النائب أنه جاء لحراسة المال العام والحفاظ على حقوق المواطنين، وصيانة مقدرات الوطن من العبث.
 
أما قضية مساواة النائب بالوزير، فهي ليست كاملة من جميع الوجوه، وذلك اعتماداً على مبدأ منع الوزير من ممارسة أي عمل آخر سوى وظيفته الحكومية، ويحظر عليه ممارسة الأعمال التجارية في حين أن هذا ليس محظوراً على النائب، فلا تكون المساواة شاملة لجميع زوايا النظر، خاصة إذا علمنا أن معظم النواب من المقتدرين مالياً ومن أصحاب المصالح ورجال الأعمال.
 
الأصل أن الدولة تهيء البيئة المناسبة للنائب لممارسة عمله بنجاح من حيث التكفل بجميع نفقات العمل البرلماني للنائب، بالإضافة إلى توفير الامكانات البحثية والعلمية، وتجهيز الدراسات والحصول على المعلومات والاحصائيات من خلال مكاتب متخصصة لخدمة النواب، تحوي موظفين أكفاء وكوادر كافية، وفقاً لبنود مخصصة في الموازنة العامة، مع تخصيص مكافآت إضافية لبعض نفقات العمل، وهو على رأس عمله، لكن مشكلتنا نحن في الأردن أن أغلب النواب لا يخصص وقته لعمله، ولا يتفرغ تفرغاً تاماً لأعمال النيابة، بل إن كثيراً منهم يبقى ممارساً لأعماله التجارية، ومديراً لشركاته الشخصية، ويستثمر في النيابة لزيادة دخله ويستعمل نفوذه الجديد لتحقيق قدر أكبر من الأرباح والمصالح الفردية، مما يجعل الثورة الشعبية على مشروع القانون الذي أقره النواب والأعيان مبررّة ومقبولة.
 
يجب أن يتم السعي إلى جعل موقع النائب موقعاً وظيفياً للخدمة العامة، وليس فيه شبهة الإثراء أو تحسين الوضع المادي، من أجل أن لا يكون التنافس على الموقع النيابي في باب التنافس المادي والمصالح الشخصية، ويجب أن تبقى السمة العامة للتنافس الانتخابي قائمة على البرامجية وعلى المضامين السياسية والكفاح من أجل الحرية، وهذا مفقود تماماً عند كثير منهم مع ضرورة احترام النفر الذين جعلوا الموقع للخدمة العامة للمواطنين، وفرغوا أنفسهم لخدمة وطنهم ومبادئهم السامية وهم موجودون فعلاً ومن الظلم التعميم.
 
بالإضافة إلى ضرورة الالتفات إلى عدم الذهاب بعيداً في توسيع الفجوة في المداخيل بين العاملين في القطاع العام، وذلك من خلال النظر إلى المعدل العام  لدخل الموظف الحكومي العام في سلك الدولة،  وأن يكون التفاوت معقولاً وضمن حدود المنطق المقبول عقلاً وشرعاً، مع مراعاة الواقع الاقتصادي للدولة أيضاً، مع الاتفاق على مبدأ حفظ كرامة النائب وتمكينه من القيام بواجبه بنجاح وفاعلية.


العنوان :
الأسم :
البريد الإلكتروني (إختياري) :
التعليق :
الاختبار الأمني :

أدخل الكلمة أعلى في المربع وفي حال صعوبة قرائتها جرب كلمة اخرى
   
يرحب مرصد البرلمان الأردني بآرائكم وتعليقاتكم عل كل ما ينشر على موقعه،
على أن يجري التقيد بقواعد النشر وأخلاقياته المتعارف عليها عالميا.