دراسات

من يقود التغيير..؟

التاريخ : 22/06/2015

كتب جميل النمري، صحيفة الغد

في كل محطة تستوجب التغيير، نكتشف كم هي ثقيلة ومتعطلة عجلة القرار. الإصلاح يحتاج إلى قوة دفع، وقيادة وبرنامج. لكن قوى التغيير تعتمد الشعار العام في أي موضوع، ثم تتفرق تحته أيدي سبأ؛ لا تملك رؤية تنفيذية، وتتضارب في مفهومها لمعنى الإصلاح، وتعجز عن التوحد في ترجمة التغيير إلى برنامج محدد في أي قطاع.

النواب والأحزاب، والنخب السياسية والمهنية والنقابية، وأوساط الدولة والحكومة، تشترك كلها في هذه الظاهرة. فكلما اقتربنا من إنجاز ما، تبدأ المخاوف والمحاذير، وتنشأ المعارضة على مبدأ سلبي واحد هو إحباط القرار. ويحدث ذلك، أحيانا، فقط من باب منع تسجيل الإنجاز لصاحبه. وأحيانا نجد الوزير في وزارته يواجه جبهة من كل زملائه السابقين، لأنهم يعتبرون نجاحه في إصلاح القطاع فشلا لهم. ويتم أحيانا استنفار كل مخزون الجهالة والرجعية في وعي المجتمع لدحر الفكرة.

شعار الإصلاح في مجلس النواب يجمع، والتفاصيل تفرق. وقد يبدو هذا طبيعيا. لكن الجماعات الديناميكية تجد الآليات لترجمة المبدأ إلى طريق فعلية، ورؤية للتوافق قد لا تكون إجماعية لكنها على الأقل جماعية. لكن الجماعية عندنا نادرا ما تتشكل إلا على الموقف السلبي؛ أي المعارضة لشيء ما. أما عندما يتعلق الأمر ببلورة مشروع للتغيير، فندخل في حوار الطرشان والأجندات الضيقة غير ذات الصلة، فلا نتقدم خطوة واحدة. وعندما تأتي الخطوة من جهة أخرى، تثار زوابع من منطلقات ولغايات مختلفة، تتحد على هدف سلبي واحد، هو دحر الخطوة، ويعزّ أن يحدث هذا لهدف إيجابي.

لنأخذ قرار وزير التعليم العالي الأخير بشأن رفع معدلات القبول الجامعي. والأصل أن يكون هذا القرار جزءا من مشروع متكامل لإصلاح التعليم العالي، لكن متى توافقت أغلبية نيابية على مشروع يتعلق بهذا الإصلاح، وترجمة شعارات إصلاح أنظمة القبول والمناهج، وتقليص التعليم الأكاديمي وتوسيع التعليم المهني، وربطهما بالسوق والتنمية؟! وقد جاءت ردة الفعل على قرار الوزير عاصفة، تنوي إجهاضه بأي ثمن، ومعاقبة صاحبه. ووصل الأمر حد اتهام القرار بأنه موجه ضد أبناء الشهداء! على مستوى التربية والتعليم، فإن الكل يهاجم حال التعليم، لكن لا أحد يتبنى خطوة عملية واحدة لإصلاحه. خذ الموقف من الامتحان العام للصفين السادس والتاسع، وما حصل عمليا لإجهاض المشروع، وموقف نقابة المعلمين التي لا تريد إلا بقاء الحال على ما هي عليه. ولا أعرف مكانا غير الأردن يمكن فيه الاحتجاج على منع الغش. وفي امتحان اللغة الإنجليزية للتوجيهي، ثارت عاصفة اعتراضات بأن الأسئلة غريبة عن المنهاج، لكن لجنة تدقيق من التربية بينت بتقرير مفصل عكس ذلك.

وهذه الأيام بالذات، يواجه مشروع اللامركزية وضعا مماثلا. فقد كان الشعار عنوانا رئيسا من عناوين الإصلاح في الأردن على مدار سنوات، لكن الشكوك والتباينات أوصلت الحكومة إلى تقديم مشروع قانون متواضع، لا يجيب عن كثير من الأسئلة. ومع ذلك، كان بإمكان مجلس النواب أن يعدله كما يشاء، وقد أنجزت اللجنة المعنية تعديلات محدودة. ومن جهتي، قدمت تعديلات أعتقدت أنها الحد الأدنى الضروري لتحسين القانون، لكنها مع ذلك لم تمر. والآن، هناك حديث هامس عن وضع المشروع على الرف، لأنه قاصر ولا يمثل الطموح نحو اللامركزية. وأيا كانت الادعاءات، فالمحصلة هي تعطيل التغيير، والبقاء في القديم.

جلالة الملك ينشد التغيير، وقوى التغيير موجودة لكنها، للأسف، مشتتة، ولم تعمل في أي وقت على بناء جبهة موحدة، ولم تشتغل على بلورة برنامج ملموس في كل القطاعات، ولم ترس أعرافا لمعالجة التباينات وبناء القواسم المشتركة حول المقترحات الملموسة. بينما قوى الشد العكسي مهمتها سهلة، إذ تلتقي على هدف سلبي واحد، هو إحباط التغيير.
 


العنوان :
الأسم :
البريد الإلكتروني (إختياري) :
التعليق :
الاختبار الأمني :

أدخل الكلمة أعلى في المربع وفي حال صعوبة قرائتها جرب كلمة اخرى
   
يرحب مرصد البرلمان الأردني بآرائكم وتعليقاتكم عل كل ما ينشر على موقعه،
على أن يجري التقيد بقواعد النشر وأخلاقياته المتعارف عليها عالميا.