دراسات

قانون البلديات.. الحكومة تفرض وصايتها على المنتخبين!

التاريخ : 05/08/2015

بقلم النائب: د. رلى الفرا الحروب

استهل مجلس النواب أعمال دورته الاستثنائية الثانية بمناقشة مشروع قانون البلديات المحال من الحكومة.

المشروع الجديد افتقر للأسباب الموجبة التي جاءت في سطرين مكونين من 22 كلمة، في استهتار واضح بمجلس النواب، فالحكومة لم تعد تزعج نفسها حتى بإقناع المجلس بالمبررات أو الحاجة لسن قانون جديد.

قانون البلديات شأنه شأن قانون الانتخاب يتغير مع كل موسم انتخابي، فقد أقر المجلس الخامس عشر قانونا جديدا عام 2007، ثم اقر المجلس السادس عشر قانونا آخر عام 2011، وها هو المجلس السابع عشر يناقش قانونا جديدا عام 2015، ولم يسأل أحد عن الحكمة في تغيير القانون مع كل مجلس نيابي منتخب وقبل كل مجلس بلدي جديد، وكأن القوانين التي تتعلق بالمنتخبين لا بد لها من التغير الدائم وعدم الاستقرار حتى لا يستطيع أي فريق سياسي أو حزب أن يعد عدته لأي انتخابات وفق قواعد ثابتة وواضحة، وكي لا يتمكن أي هيكل منتخب من النمو الطبيعي عبر مراكمة الخبرات في التعامل مع تلك القواعد.

قد يقول البعض إن تغيير هذه القوانين يعبر عن مرونة، وعن التطور في الدور المعطى للبلديات وتطور في الحياة السياسية فيما يتعلق بقانون الانتخاب، ولكن القوانين التي تأتي هي أبعد ما يكون عن ذلك، والدليل أن أداء المجالس النيابية في تراجع مستمر، والشعب في أدنى درجات الرضا عنها، أما المجالس البلدية فما زالت تناضل من اجل استقلالية مالية وإدارية ليست إلا حبرا على ورق، في حين يزداد الدور الحكومي تغولا على دور المنتخبين، حتى تحولت المجالس البلدية المنتخبة الى موظفين لدى وزير البلديات الذي حولته تعديلات القوانين المتتالية الى ناظر المدرسة!!

مشروع القانون الجديد لعام 2015:

العيب الأول والأبرز في هذا المشروع هو تعريف البلدية، فالبلدية معرفة في القوانين الأخيرة كلها باعتبارها مؤسسة أهلية تتمتع بالشخصية المعنوية ذات استقلال مالي واداري تحدث وتلغى وتعين حدود منطقتها ووظائفها وسلطاتها بمقتضى أحكام هذا القانون.

وبمحاكمة مواد القانون، فإن البلدية ابعد ما تكون في نصوصه عن تعريف المؤسسة الأهلية ودورها وآلية اتخاذ القرارات فيها، وهي أقرب إلى مؤسسة عامة رسمية بالنظر الى حجم التدخلات الهائل للوزير والحكومة في أدائها، واقرب الى مؤسسة ذات نفع عام في طريقة إنشائها وشكل إدارتها وطبيعة أموالها ومواردها ومنع الحجز على تلك الموارد، وهي أبعد ما تكون عن وحدة حكم محلي، في حين أن التعريف الأخير هو التعريف الأكثر شيوعا في كل بلديات العالم المتقدم، وهو التعريف الذي تضمنه الميثاق الاوروبي للحكم الذاتي المحلي، أما الدول النامية والأقل نموا، فإن تعريف البلديات لديها تراوح بين وحدة ادارية فرعية، وبين مؤسسة ذات نفع عام، والاردن هو واحد من الدول النادرة التي تعرف البلدية باعتبارها مؤسسة أهلية ثم تنقلب على أعقابها في القانون وتعاملها كمديرية تابعة لوزارة البلديات في الموازنة والقروض والتعيينات وكل شيء!!

الخلل الثاني هو استثناء العقبة والبتراء من انتخاب مجلس بلدي تحت دعاوى أنها مناطق تنموية، وحرمان أهلها من حق دستوري يتمتع به باقي سكان المملكة، وهو بحد ذاته اعتداء صريح على المادة السادسة من الدستور، كما أنه يكشف عن إيمان الحكومة بوجود تناقض بين التنمية والديموقراطية، وهي حالة هزلية لا يتم التعبير عنها صراحة إلا في الدول غير الديموقراطية، و كأن أولئك المعينين الذين تنسب بهم حكومات معينة هم أقدر على إدارة الأمور من سياسيين ينتخبهم الشعب، وهو ما يؤكد أن الحكومة تعتبر المجالس البلدية المنتخبة عقبة أمام التنمية وليست رافعة للتنمية، وهو ما يبرر بدوره حجم التدخل الحكومي الكبير في عمل تلك المجالس، واستحداث موقع مدير تنفيذي للبلدية تعينه الحكومة بدلا من المجلس البلدي المنتخب.

أما الخلل الثالث فهو استمرار تعيين الربع في مجلس أمانة عمان وتعيين الأمين، وكأن سكان عمان الذين يشكلون أكثر من 40% من سكان المملكة، والذين يأتون من كل المحافظات في واقع الأمر، ويمثلون خيرة المهنيين والمثقفين في كل الأعمال المتخصصة لا يستحقون ان يمنحوا الثقة بانتخاب مجلس بالكامل أو انتخاب رئيس للمجلس، فهم قصر، والحكومة صاحبة الوصاية على مصلحتهم، وهذان العيبان الثاني والثالث وحدهما في دولة ديموقراطية كفيلان بالإطاحة بالحكومة لو كان هناك من ينتصر لكرامة الشعب!!!

أما الخلل الرابع، فهو غياب النظام الانتخابي ونظام تقسيم الدوائر المحلية وعدد المقاعد المخصصة لها عن مشروع القانون، فهاتان المسألتان الأكثر أهمية في تحقيق التمثيل العادل للشعب هما في علم الحكومة ولا داعي لاستئذان الشعب ومجلسه فيهما، فالحكومة مجددا هي الأدرى بمصلحتنا نحن الأميين القصر الذين تتجاوز نسبة التعليم لدينا 94%، ونسبة حملة الشهادات العليا فينا 10%!!

حتى عدد أعضاء تلك المجالس بعد اختراع المجالس المحلية الصغرى يغيب عن مشروع القانون، فالمشروع يشير الى الحد الأدنى لأعضاء المجلس البلدي وهو سبعة أعضاء ويبقي الحد الأعلى مفتوحا يحدده الوزير، والحد الأدنى لأعضاء المجلس المحلي وهو خمسة أعضاء ويبقي الحد الأعلى مفتوحا يتحدد بقرار من الوزير، ويساوي في الحد الأدنى بين المجالس بغض النظر عن تعدادها السكاني، أما الحد الأعلى فعلمه عند الوزير، إذ لم تكلف الحكومة نفسها عناء النص على الحد الأعلى في القانون، لأن الحكومة لم تقم بعد بواجبها ولا تعرف كم هو ذلك الحد الأعلى، ولا تعرف كم مجلسا محليا جديدا ستنشئ، بل إن الحكومة لا تملك أي دراسة أثر مالي للمجالس الجديدة التي أوجدتها سواء في قانون البلديات او اللامركزية، وكأننا دولة ثرية قادرة على تحمل مزيد من أعباء الرواتب والمكافآت لمجالس لن تضيف جديدا ولا تعدو كونها تجزئة للمجزأ وعبئا اضافيا يزيد من طبقات اتخاذ القرار داخل المحافظة ويزيد بالتالي من الزمن اللازم لاقرار موازنات البلديات والخطط التنموية فيها.

مع ذلك، فإن المجلس مطالب بالتوقيع على بياض على قانون الحكومة الذي يفتقر الى التفاصيل!!!

فوق ذلك كله، فإن المواطنين الذين سيصوتون لأعضاء المجلس المحلي لن ينتخبوا رئيسا، فالرئيس في حالة المجلس المحلي هو العضو الذي حصل على أعلى الأصوات، وهي حالة أشبه بحدرة بدرة ومن صوت له البعض مجاملة كعضو قد يفاجئ الجميع بأنه الرئيس!!

ومع أن المهام الممنوحة للبلديات في مشروع القانون تصل إلى 29 مهمة، إلا أن الكثير منها يبدأ بعبارات مثل " التنسيق مع، التعاون مع، المساهمة في ، وهو ما يحولها الى عبارات إنشائية دون مفهوم إجرائي محدد.

أما الموازنات والخطط التنموية التي تقرها البلديات والتي كانت تعرض على وزير البلديات للموافقة عليها بحسب القوانين السابقة، فإنها اليوم ستعرض على مجالس المحافظات المنتخبة ومجالس المحافظات التنفيذية بالاضافة الى وزير البلديات، ثم تعود لتكمل دورتها على مجلس الوزراء ومجلس النواب، وهكذا يكون لدينا في كل محافظة خمس طبقات لصنع القرار ( المجلس المحلي، المجلس البلدي، مجلس الخدمات المشترك، مجلس المحافظة ، المجلس التنفيذي) وثلاث طبقات على مستوى الدولة هي الوزير ( البلديات أو الداخلية بحسب المجلس المعني) ثم مجلس الوزراء ثم مجلس الأمة، وهذا لعمري إبداع ما بعده إبداع في الحكم المحلي والتنمية!!

الأهم من ذلك أن وزير البلديات في القانون يعمل بمثابة ناظر المدرسة، منتهكا مبدأ الحكم المحلي من أساسه، فهو الذي يراقب أداء المجالس المنتخبة ويعطيها شهادة حسن سير وسلوك أو يعاقبها على تقصيرها، وهو الذي يجيز او يرفض موازنة المجلس البلدي ومشاريعه وخططه التنموية، وهو الذي يجيز او يرفض القروض المالية وإنشاء مجالس الخدمات المشتركة، ويعين المدراء التنفيذيين للبلديات، بل ويعين عضوين إضافيين في كل مجلس بلدية وعضو اضافي في كل مجلس خدمات مشترك يتمتع بكل حقوق الاعضاء المنتخبين بما فيها التصويت، بل إن تعيين عمال الوطن وغيره من المواقع في البلدية بات ضمن اختصاصات ديوان الخدمة المدنية بحكم تعميم رئيس الوزراء الحالي، وهكذا لم يتبق لرؤساء البلديات اليتامى أي استقلالية مالية أو إدارية!

الأخطر من ذلك هو مسألة حل المجالس البلدية المنتخبة، وهو خلل متواصل ومستمر منذ قوانين سابقة، فالحكومة من صلاحياتها حل المجلس البلدي والمجلس المحلي وتعيين لجنة مؤقتة محله لمدد قد تصل إلى عامين ونصف بحكم المادة العاشرة من مشروع القانون، بل إن البند الثالث من الفقرة (د) من المادة العاشرة ينص على أنه اذا انتهت مدة التأجيل وتعذر إجراء الانتخابات فيها يتخذ مجلس الوزراء القرار المناسب بشأنها، وهذا يجعل المجالس معطلة إلى أمد غير مسمى، ويجمد الديموقراطية والتمثيل الشعبي، والأصل أن لا تمنح صلاحية الحل لأي طرف إلا للقضاء إن لزم، وفي حالات خاصة ومحدودة كالفساد المالي والاداري مثلا أو المحافظة على السلم المجتمعي.

هذا وقد ابتدع مشروع القانون الجديد حكما لم يرد في شرق أو غرب من دول العالم التي تعتبر البلديات وحدة للحكم المحلي، أو وحدة للتنمية، أو حتى وحدة إدارية أو مؤسسة ذات نفع عام، وهو الحكم الوارد في المادة 63/ ب ، الذي ينص على أن رئيس المجلس البلدي او المحلي أو العضو في أي من المجلسين يفقد عضويته بقرار من الوزير إذا ارتكب خطأ او مخالفة جسيمة أو الحق ضررا بمصالح البلدية او المجلس المحلي، وهو حكم مستهجن، فإن كان لا بد من محاسبة عضو أو رئيس منتخب على أدائه، فإن القضاء هو المرجعية الشرعية الوحيدة إن لم نحتكم إلى مرجعية الناخبين في الصناديق!!

أما المادة الحادية عشرة فقد ضمنتها الحكومة شروط استحداث بلديات جديدة او ضمها أو فصلها بناء على الإرادة الشعبية، فجاءت اللجنة النيابية المشتركة وألغتها باعتبار أن المجالس المحلية قد حلت هذه الإشكالية ولم يعد هناك من مبرر لها، وهذا في الواقع إلغاء لإرادة الشعب ومخالفة لقواعد الديموقراطية والحكم المحلي، إذ يفترض أن رغبة السكان هي الاساس في إنشاء البلدية، وليس رغبة الحكومة، فكيف تمنح اللجنة هذه الصلاحية للحكومة وحدها ويتم تجاهل رغبات سكان المنطقة من المواطنين؟

أما العقوبات التي نص عليها المشروع، فقد ارتأت اللجنة النيابية الموقرة أن تخففها من حيث السجن، وتزيدها من حيث العقوبة المالية وأن تجعل العقوبة المالية بديلة للسجن، وهذا اجتهاد جانبه الصواب من وجهة نظري، وعلى سبيل المثال، فإن المادة 53/ ب كانت قد نصت على عقاب الجرائم الانتخابية من مثل حمل سلاح ناري في مراكز الاقتراع والفرز وادعاء الامية وانتحال شخصية الغير والعبث بصندوق الاقتراع والقاء اوراق مزورة او ايذاء رئيس الانتخاب او استعمال القوة والتهديد لاكراه ناخب على الاقتراع او الامتناع عن الاقتراع او حمل شخص على ارتكاب جريمة بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن مائتي دينار ولا تزيد عن خمسمائة دينار، ولكن اللجنة النيابية خفضت الحبس الى مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد عن سنتين، أو بغرامة لا تقل عن الف دينار ولا تزيد عن خمسة آلاف، وهو ما يجعل من الممكن الحكم بالغرامة أو الحبس، بدلا من الغرامة والحبس، وهذا تشجيع للبعض على الافلات من عقوبة السجن!!

أما الفقرة (ج) والتي تنص على عقوبة الاشغال الشاقة مدة لا تزيد عن سبع سنوات لكل من استولى على صندوق الاقتراع من مركز الاقتراع والفرز ومعاقبة المتدخل والشريك والمحرض بالعقوبة ذاتها، فإن اللجنة النيابية لم تعلق عليها بالموافقة أو الرفض، وسننتظر مصيرها تحت القبة!!

أما العجيب فهو قرار اللجنة النيابية المشتركة في المادة 70، حيث نصت المادة على أن " الانتخاب العام لجميع رؤساء المجالس البلدية واعضاء المجالس المحلية يجرى لأول مرة عند نفاذ أحكام هذا القانون عند انتهاء مدة دورة المجالس البلدية القائمة قبل إقرار هذا القانون"، فإذا باللجنة النيابية الموقرة تضيف عبارة " أو حلها" بعد عبارة المجالس البلدية القائمة قبل إقرار هذا القانون، وكأنها تطلب من الحكومة حل المجالس القائمة والدعوة لانتخابات مبكرة، وهو أمر غير مفهوم على الإطلاق ولا يليق أن يصدر عن لجنة نيابية تمثل الشعب وجاءت بانتخابات ديموقراطية ويفترض أن ترفض مبدأ الحل جملة وتفصيلا لا أن تشجع عليه وتذكر الحكومة به!!

موظفو البلديات الحاضر الغائب في هذا القانون، فمعاناتهم مستمرة بحكم تعريف البلدية كمؤسسة أهلية، مع أنها في واقع الأمر ليست كذلك، وهم بالتالي محرومون من كل امتيازات الموظف العام ولكنهم في الوقت ذاته مطالبون بواجباته، وهم أيضا محرومون من امتيازات القطاع الخاص من حيث الرواتب والعلاوات، وهكذا أصبحوا مثل مصيف الغور!!!

ما تقدم هو غيض من فيض، وهناك عشرات الملاحظات الأخرى التفصيلية التي سنناقشها تحت القبة، وندعو الله أن يخرج هذا القانون بشكل لائق يسهم في تحسين صورة مجلس النواب التي اهتزت بعدما تراجعت شعبيته من 29% في سبتمبر 2014 بحسب استطلاع مركز القدس للدراسات السياسية إلى 22% في مايو 2015 بحسب استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الاردنية ، إلى 12% في يوليو 2015 بحسب استطلاع المعهد الجمهوري الدولي!!!


العنوان :
الأسم :
البريد الإلكتروني (إختياري) :
التعليق :
الاختبار الأمني :

أدخل الكلمة أعلى في المربع وفي حال صعوبة قرائتها جرب كلمة اخرى
   
يرحب مرصد البرلمان الأردني بآرائكم وتعليقاتكم عل كل ما ينشر على موقعه،
على أن يجري التقيد بقواعد النشر وأخلاقياته المتعارف عليها عالميا.