تقارير المرصد

أحجية الأسئلة النيابية.. إفراط في السؤال وتراخي في المناقشة

التاريخ : 20/01/2014

الحكومات تجيب فقط عن 77% من الأسئلة النيابية الرقابية  

مجالس النواب تناقش فقط 35% من الأسئلة التي توجهها للحكومة

أصدر مرصد البرلمان الأردني في مركز القدس للدراسات السياسية اليوم تقريراً جديداً حول موضوع الأسئلة النيابية ضمن سلسلة تقاريره الدورية حول الأداء النيابي، مستعرضاً أبرز الظواهر التي ينطوي عليها التعامل النيابي والحكومي مع الأسئلة النيابية.

وبيّن التقرير أن  النواب قد وجهوا 180 سؤالاً رقابياً للحكومة خلال الشهرين الأولين من عمر الدورة العادية الأولى لمجلس النواب السابع عشر الحالي التي بدأت أعمالها في الثالث من تشرين الثاني 2013. 

وكانت الدورة غير العادية التي بدأ بها المجلس السابع عشر ولايته في شباط الماضي، قد سجّلت أعلى نسبة توجيه أسئلة في تاريخ المجالس النيابية منذ 1947. فقد بلغ العدد الكلي للأسئلة (1165) سؤالاً، أجابت الحكومة عن (935) منها، فيما أدرجَ المجلس على جداول أعماله (247) سؤالاً منها فقط.

وأوضح التقرير أن هذه الأرقام تعكس منحى تنازلياً للعلاقة بين عدد الأسئلة الموجهة للحكومة، وبين عدد إجابات الأخيرة، وعدد الأسئلة التي يتم مناقشتها تحت القبة لجميع المجالس النيابية منذ مجلس النواب الحادي عشر المنتخب في 1989. فقد بلغ مجموع الأسئلة الموجهة للحكومة في الدورات الأولى فقط للمجالس النيابية من منذ المجلس الحادي عشر وحتى المجلس السابع عشر: 2497 سؤالاً، أجابت الحكومة عن 1924 سؤالاً بنسبة 77.1%، نوقش منها فقط، 868 سؤالاً بنسبة 34.8% من إجمالي الأسئلة. 

وكشف التقرير عن وجود العديد من الظواهر اللافتة التي ترافق العمل الرقابي البرلماني المتعلق بالأسئلة النيابية، أبرزها:

1- عدم التزام الحكومة في حالات كثيرة بالإجابة عن السؤال النيابي خلال المدة التي يتعين أن لا تتجاوز ثمانية أيام. ويمتد التأخير في بعض الحالات إلى عدة أشهر. ومع أن النظام الداخلي يمنح النائب حق تحويل أي سؤال له لاستجواب في هذه الحالة، إلا أن النواب لا يلجأون لهذا التقليد.

2- لا يستخدم كل النواب حقهم الرقابي في توجيه الأسئلة للحكومة. ففي الدورة غير العادية لمجلس النواب، لم يوجه (43) نائباً أي سؤال للحكومة. ويسجل على مجالس النواب أن كثيراً من النواب يتغيبون عن الجلسات التي تكون لهم أسئلة مدرجة على جداول أعمالها. كما يقوم مجلس النواب بإدراج أسئلة لنواب متغيبين بعذر. هذا فضلاً عن عدم عقد المجلس جلسة رقابية عقب كل جلستي عمل. 

3- تعتبر ظاهرة سحب الأسئلة من قبل أصحابها بعد تسجيلها وتحويلها رسمياً للحكومة ظاهرة تستحق الدراسة. فقد سجل المجلس السادس عشر في الدورة العادية الثانية أعلى نسبة سحب أسئلة بعد توجيهها للحكومة، حتى أن نائباً واحداً قد قام بسحب أكثر من 20 سؤالاً، دون إبداء أية مبررات.
ويقول نواب أنهم يسحبون أسئلتهم لأنهم تلقوا إجابات مباشرة من الجهة المعنية، فيما يحوم الشك حول إجراءات كهذه، فيما يخص المقاصد الأساسية لدى النائب من توجيه السؤال أصلاً، وما إذا كان الهدف منه هو الضغط على الحكومة لتمرير خدمات أو مطالب.

4- برزت ظاهرة التوسع في تحويل الأسئلة إلى استجوابات بشكل لافت في الدورة غير العادية لمجلس النواب السابع عشر. فقد تم تسجيل (18) استجواباً. وبلغ عدد الأسئلة النيابية التي تم تحويلها إلى استجوابات في الشهرين الأولين من الدورة العادية الأولى الحالية، تسعة أسئلة. وأعلن أحد النواب أنه وجه (28) استجواباً للحكومة منذ انطلاق أعمال المجلس الحالي، ومع ذلك فإن كل استجواباته لم تطرح على جدول الأعمال. 

وأوصى التقرير بأن يعمل مجلس النواب على عقد جلسة رقابية لمناقشة الأسئلة النيابية والاستجوابات عقب كل جلستي عمل ما أمكن ذلك. والتزام الحكومات بالمدة المقررة للإجابة عن الأسئلة النيابية. 

وفيما شدّد التقرير على أهمية اهتمام النواب بالأسئلة باعتبارها أهم أداة رقابية، دعا إلى عدم الإفراط في توجيه الأسئلة، وحصرها بالقضايا المهمة، مؤكداً على حق النائب بتحويل سؤاله إلى استجواب بعد مرور شهر على توجيه السؤال، إذا لم تقم الحكومة بالإجابة عنه. كما دعا التقرير إلى عدم إدراج أسئلة لنواب متغيبين بأعذار مسبقة، واعتبر أن من واجب كل نائب يقوم بسحب سؤال نيابي توضيح أسباب ذلك.

  • تالياً نص التقريركاملاً

أحجية الأسئلة النيابية.. إفراط في السؤال وتراخي في المناقشة

يعدّ "السؤال النيابي" أحد أبرز أوجه العمل الرقابي النيابي على السلطة التنفيذية بموجب الدستور الذي نص في المادة (96) على أن "لكل عضو من أعضاء مجلسي الأعيان والنواب أن يوجه إلى الوزراء أسئلة واستجوابات حول أي أمر من الأمور العامة وفاقاً لما هو منصوص عليه في النظام الداخلي للمجلس الذي ينتمي إليه ذلك العضو...". 

وعرّف النظام الداخلي لمجلس النواب في المادة (125) السؤال النيابي بأنه "استفهام العضو من رئيس الوزراء أو الوزراء عن أمر يجهله في شأن من الشؤون التي تدخل في اختصاصاتهم أو رغبته في التحقق من حصول واقعة وصل علمها إليه أو استعلامه عن نية الحكومة في أمر من الأمور".

ظاهرة التوسع في توجيه الأسئلة في المجلس السابع عشر
1 ــ الدورة غير العادية:

سجل المجلس النيابي السابع عشر في دورته غير العادية أعلى نسبة توجيه أسئلة في تاريخ المجالس النيابية الأردنية منذ المجلس النيابي الأول عام 1947  وحتى الآن.

وبالمقارنة مع الدورات الأولى في المجلس الحادي عشر وحتى المجلس السابع عشر الحالي، فقد بلغ العدد الكلي للأسئلة التي وجهها نواب المجلس السابع عشر في الدورة غير العادية ما مجموعه (1165) سؤالاً، تولت الحكومة الإجابة عن (935)  سؤالاً منها، فيما أدرجَ المجلس على جداول أعماله (247) سؤالاً فقط.

ويكشف الجدول (1) عن عدد الأسئلة التي وجهها النواب في كل مجلس من المجالس النيابية السابقة من المجلس الحادي عشر وحتى المجلس السابع عشر الحالي، وعدد الإجابات الحكومية التي وصلت للمجلس وعدد الأسئلة التي أدرجت أو نوقشت خلال الدورات الأولى لكل مجلس مع مراعاة الفروق بين عدد أعضاء كل مجلس، واختلاف مدة انعقاد كل دورة، إذ تم رفع مدة انعقاد الدورة البرلمانية في المجلس السابع عشر من أربعة أشهر إلى ستة أشهر تنفيذاً للتعديل الدستوري بهذا الخصوص. 

لقد بلغ عدد الأسئلة في المجلس الحادي عشر التي وجهها النواب في الدورة العادية الأولى (81) سؤالاً، وهو رقم متواضع جداً أمام القفزة التي حصلت في الدورة العادية الأولى للمجلس الثاني عشر، والتي سُجل فيها (256) سؤالاً، لتعود الأرقام للانخفاض في الدورة العادية الأولى للمجلس الثالث عشر بتسجيل (85) سؤالاً، ثم لترتفع مرة أخرى في الدورة العادية الأولى للمجلس الرابع عشر لتصل إلى (188) سؤالاً، ولتسجل ارتفاعاً آخر في الدورة ذاتها من المجلس الخامس عشر بواقع (249) سؤالاً، ولتقفز بشكل غير مسبوق في المجلس السادس عشر بتوجيه  (473) سؤالاً.

وشكل هذا الارتفاع في المجلس السادس عشر طفرة وظاهرة مثيرة للاهتمام، إلا أن هذه الطفرة "الظاهرة" بدت متواضعة جداً أمام ما تم تسجيله في الدورة الأولى للمجلس السابع عشر (غير العادية)
هذه المعطيات، تثير الكثير من التساؤلات حول جدوى هذا الكم الكبير من الأسئلة في الوقت الذي لم تضف جديداً للعمل الرقابي للمجلس، حتى أن الاستجوابات التي تم تسجيلها للحكومة في الدورة غير العادية للمجلس السابع عشر، لم يتم إدراجها أو مناقشتها.

2 ــ الدورة العادية الأولى: 

وجّه النواب للحكومة خلال أول شهرين من عمر الدورة العادية الأولى التي بدأت أعمالها في الثالث من تشرين الثاني 2013، (180) سؤالاً.

إن هذا الرقم يعني أن نواب المجلس السابع عشر لا يزالون يتمسكون بتوجيه هذا الكم الكبير من الأسئلة، ومن المتوقع أن تنتهي الدورة العادية الأولى بتسجيل عدد ضخم من الأسئلة قد تكون أقل من مثيلتها في الدورة غير العادية، إلا أنها ستكون الأعلى أيضا مقارنة بالدورات المماثلة لها في المجالس النيابية السابقة.

ظواهر لافتة حول الأسئلة النيابية:
هناك العديد من الظواهر اللافتة التي ترافق العمل الرقابي البرلماني المتعلق بالأسئلة النيابية، والتي تثير الكثير من التساؤلات حولها ومن أبرزها:

1 ــ الجلسات المخصصة لمناقشة الأسئلة:
نصت الفقرة (أ) من المادة  (98)  من النظام الداخلي لمجلس النواب على تخصيص جلسة للأسئلة والاستجوابات والاقتراحات برغبة بعد كل جلستي عمل على الأكثر ما لم يقرر الرئيس غير ذلك.

ويلاحظ أن كل المجالس النيابية السابقة لم تلتزم بهذا النص الذي تم تعديله في النظام الداخلي باختصار المدة، بعد أن كانت في النظام السابق تنص على عقد هذه الجلسات المخصصة للأسئلة والاستجوابات بعد كل أربع جلسات.

وقد عقد المجلس السابع عشر الحالي في دورته غير العادية سبع جلسات للأسئلة النيابية وردود الحكومة عليها، وأدرج على جداول أعمالها (247) سؤالاً، من بينها جلسة لم تنعقد كان قد أدرج على جدول أعمالها (35) سؤالاً، وتم نقل تلك الأسئلة إلى الجلسة التالية.

وعقد المجلس في دورته العادية الأولى منذ انطلاق أعمالها في الثالث من تشرين الثاني 2013 وحتى نهاية كانون الأول 2013 جلستين فقط  لمناقشة الأسئلة وذلك على النحو التالي:

الجلسة الأولى:
عقد المجلس أولى جلساته المخصصة لمناقشة الأسئلة النيابية بتاريخ 27 تشرين الثاني 2013، وأدرج على جدول أعمالها (40) سؤالاً، نجح المجلس بمناقشة (30) سؤالاً منها، فيما أعلن سبعة نواب من أصحاب الأسئلة المناقشة تحويلها إلى استجوابات.

وتغيب عن الجلسة سبعة نواب أدرجت لهم أسئلة على جدول الأعمال، ولم يستطع المجلس مناقشة ثلاثة أسئلة بسبب رفع الجلسة لفقدان نصابها القانوني.

الجلسة الثانية:
عقد المجلس جلسته الثانية في دورته العادية الأولى لمناقشة الأسئلة والأجوبة بتاريخ 22 كانون الأول 2013 وأدرج على جدول أعمالها (46) سؤالاً، نوقش منها (18) سؤالاً فقط.

وتغيب عن الجلسة أربعة نواب كانت لهم أسئلة مدرجة على جدول الأعمال، وتم تأجيل سؤال بسبب غياب الوزير المختص، وأعلن عن تحويل سؤالين من الأسئلة التي نوقشت إلى استجوابين.

ويلاحظ أن الأسئلة التي أدرجت على جداول أعمال الجلستين المخصصتين للأسئلة في الدورة العادية الأولى تعود كلها إلى الدورة غير العادية، بمعنى أنها أسئلة قديمة مضى على توجيه بعضها أكثر من 9 أشهر.

ويجيز النظام الداخلي لمجلس النواب بموجب المادة (131)، إدراج "الأسئلة المقدمة في دورة سابقة على جدول أعمال الدورة اللاحقة إلا إذا صرح مقدموها عدم تمسكهم بها بكتاب خطي يقدمونه لرئيس المجلس".
ــ عدم التزام الحكومة بالإجابة في الوقت المحدد:
تقع الحكومة دائماً في خطأ مخالفة النظام الداخلي لمجلس النواب الذي ينص في الفقرة (ب)  من المادة (128) على إلزام الوزير بالإجابة "على السؤال خطياً خلال مدة لا تتجاوز ثمانية أيام".

وبالرغم من الانتقادات العديدة التي يوجهها النواب للحكومة بسبب التأخير الكبير في الإجابة عن الأسئلة، والذي قد يمتد في بعض الحالات إلى عدة أشهر، إلا أن الحكومة لم تقدم أية التزامات كافية تجاه تطبيق النظام الداخلي والإجابة عن السؤال النيابي في موعده المقرر بثمانية أيام.

ومع أن النظام الداخلي منح النائب حق تحويل أي سؤال له لاستجواب في حال "لم تجب الحكومة خلال مدة شهر من ورود السؤال إليها"، وفقاً لنص الفقرة (ب) من المادة (132) من النظام الداخلي، إلا أن أياً من النواب لم يلجأ لاستخدام هذا النص.

ــ تراخي نيابي في متابعة الأسئلة:
يسجل على مجلس النواب الحالي والمجالس السابقة تراخيها في متابعة الأسئلة ومواصلة الاهتمام بها منذ لحظة توجيهها وحتى لحظة عرضها على المجلس لمناقشتها.

ومن الملاحظ أيضاً أن ليس كل النواب في المجلس الحالي والمجالس السابقة يستخدمون حقهم الدستوري الرقابي في توجيه الأسئلة للحكومة، ففي الدورة غير العادية الأولى لمجلس النواب السابع عشر، لم يقم (43) نائبا بتوجيه أي سؤال للحكومة، بنسبة بلغت 28.7 % من اعضاء المجلس. 

وقد سجل نواب المجلس السادس عشر في الدورة العادية الأولى، نسبة عالية جداً بعدم استخدامهم لحقهم الدستوري في توجيه الأسئلة، إذ إن من بين (120) نائباً الذي هو العدد الكلي لأعضاء ذلك المجلس، فإن (72) نائباً منهم لم يوجهوا أي سؤال للحكومة، وإن (48) نائباً فقط هم من قاموا بتوجيه الأسئلة، أي أن نسبة من تخلى عن حقه باستخدام الأسئلة للرقابة على أعمال السلطة التنفيذية قد بلغت 60% من عضوية المجلس.

وتتمثل أبرز ملامح التراخي النيابي في توجيه الأسئلة ومتابعتها بما يلي: 
1. غياب نواب عن الجلسات التي تكون لهم أسئلة مدرجة على جداول أعمالها، وهي ظاهرة تتكرر بشكل لافت للانتباه في جميع الجلسات المخصصة للأسئلة.
ويتحمل مجلس النواب مسؤولية إدراج أسئلة لنواب متغيبين أصلاً، لوجودهم خارج المملكة في أعمال خاصة أو مهمات رسمية. ويتوجب على المكتب الدائم للمجلس في هذه الحالة عدم إدارج أسئلتهم على جداول أعمال الجلسات إلا بعد عودتهم.

2. عدم لجوء النواب لتفعيل الفقرة (ب) من المادة 132 بتحويل كل سؤال تتأخر الحكومة في الإجابة عنه أكثر من شهر إلى استجواب.

3.  تراخي النواب في المطالبة بإدراج أسئلتهم على جداول الأعمال، وقد تم تسجيل عشرات الحالات التي تم فيها توجيه الأسئلة ولم تناقش نهائياً.

4. عدم عقد جلسة للأسئلة والأجوبة عقب كل جلستين مخصصتين للتشريع، ويلاحظ أن المجلس الحالي قد عقد في دورته العادية الأولى جلستين فقط للأسئلة والأجوبة من بين (13) جلسة عقدها حتى تاريخ 22 كانون الأول 2013، ما لا يتفق مع روحية النظام الداخلي الذي يمنح سلطة تقدير عقد الجلسات الرقابية لرئيس المجلس.

ــ ظاهرة سحب الأسئلة:
تعتبر ظاهرة سحب الأسئلة من قبل أصحابها بعد تسجيلها وتحويلها رسمياً للحكومة ظاهرة تستحق الدراسة والتوقف عندها مطولاً، في الوقت الذي لم تحظ فيه بالكثير من الاهتمام من قبل المراقبين والباحثين.

فقد سجل في الدورة العادية الثانية من المجلس السادس عشر أعلى نسبة سحب أسئلة بعد توجيهها للحكومة، حتى أن نائباً واحداً قد قام بسحب أكثر من 20 سؤالاً بعد أن قام بتوجيهها للحكومة، دون إبداء أية مبررات.

وبالرغم من أن السؤال يبقى مسؤولية النائب الذي يوجهه وليست مسؤولية المجلس، فإن انتشار هذه الظاهرة تثير الكثير من التساؤلات حول أسبابها والظروف التي تدفع بنائب لسحب سؤاله أو إلغائه بعد أن يكون قد وصل رسمياً إلى الجهة المختصة.

إن أبرز المبررات التي يسوقها النواب ممن يقومون بسحب أسئلتهم وإلغائها قولهم إنهم اقتنعوا بإجابات هاتفية أو إجابات مباشرة من الجهة المعنية، فيما يبقى الباب مفتوحا أمام شكوك قد تطال مثل تلك الإجراءات، لعل في مقدمتها المقاصد الأساسية لدى النائب من توجيه السؤال أصلاً، وما إذا كان الهدف منه هو الضغط على الحكومة لتمرير خدمات أو مطالب للنائب صاحب السؤال.

لقد بقيت ظاهرة سحب الأسئلة في المجلس الحالي في حدودها الدنيا، فيما سجل المجلس السادس عشر السابق أعلى نسبة سحب أسئلة بعد توجيهها للحكومة.

ــ التوسع في تحويل الأسئلة إلى استجوابات دون متابعة:
برزت هذه الظاهرة بشكل لافت وضاغط في الدورة غير العادية لمجلس النواب السابع عشر. ووفقاً للسجلات الرسمية للمجلس، فقد تم الإعلان عن (22) استجواباً تم تحويلها إما عن طريق الأسئلة أو عن طريق تسجيلها مباشرة.

ووفقاً للسجلات الرسمية لتلك الدورة، فقد تم تسجيل (18) استجواباً رسمياً لدى الأمانة العامة للمجلس، وأجابت الحكومة عن تسعة استجوابات منها، بينما بلغ عدد الأسئلة النيابية التي تم تحويلها إلى استجوابات في الدورة العادية الأولى الحالية، تسعة استجوابات خلال أقل من شهرين على بدء أعمال الدورة.

وكانت رئاسة المجلس قد أدرجت أثناء انعقاد الدورة غير العادية عدداً محدوداً جداً من تلك الاستجوابات على جداول أعمالها إلا أنها لم تناقش نهائياً. وفي الجلسة الثانية المخصصة للأسئلة التي عقدت في الدورة العادية الأولى بتاريخ 22 كانون الأول 2013، أدرج استجواب واحد للنائبة رولا الحروب، ولم يناقش بسبب فقدان الجلسة لنصابها القانوني، ويعود تاريخه للدورة غير العادية.

لقد رافقت ظاهرة التوسع في تحويل الأسئلة إلى استجوابات أعمال الدورة غير العادية للمجلس السابع عشر ، وقد تزامن هذا التوسع في تحويل الأسئلة إلى استجوابات مع التوسع في توجيه الأسئلة.

إن نائباً واحداً، قد أعلن في جلسة الثاني والعشرين من كانون الأول 2013، أنه وجه منفرداً (28) استجواباً للحكومة منذ انطلاق أعمال المجلس الحالي في دورته غير العادية في العاشر من شباط الماضي، ومع ذلك فإن كل استجواباته المقدمة لم تطرح على جداول أعمال الجلسات.

ويشكل هذا في حد ذاته بوابة للتساؤل حول مغزى تحويل النواب أسئلتهم إلى استجوابات، وحول مدى قناعتهم بالتعامل مع وظيفة هذه الاستجوابات وأهدافها.

وفي الوقت الذي يتوجب فيه على رئاسة المجلس ومكتبه الدائم الاهتمام بهذه الظاهرة والحرص بالتالي على إدراج الاستجوابات ومتابعتها، فإن أصحاب الاستجوابات أنفسهم يجب أن لا يتراخوا أصلاً في متابعة استجواباتهم وإظهار التمسك بإدراجها على جداول أعمال الجلسات لمناقشتها، إلا أن من الواضح أن هناك تراخياً نيابياً في متابعة الاستجوابات، وهو ما انسحب أيضاً على الأسئلة نفسها.

التوصيات:
تظهر المعطيات السابقة بوضوح أنه بالرغم من أهمية استخدام الحق الدستوري الرقابي للنواب في توجيه الأسئلة ومتابعتها، إلا أن هذا الحق لا يزال بحاجة للكثير من الاهتمام من قبل النواب أنفسهم، ومن قبل إدارة مجلس النواب، والحكومة كذلك.

ووفقا للمعطيات السابقة، فإن عدة نتائج وتوصيات تفرض نفسها، لعل من أهمها:

1. التزام رئاسة مجلس النواب ومكتبه التنفيذي بالمدة الزمنية المقررة بعقد جلسات لمناقشة الأسئلة "عقب كل جلستين مخصصتين للتشريع"، قدر الإمكان حتى لا يتم مراكمة الأسئلة، وبالتالي تفقد جديتها ومناسبتها التي وجهت من أجلها.

2. التأكيد على الحكومات بضرورة الالتزام بالمدة المقررة للإجابة عن الأسئلة النيابية وعدم تأخيرها لما لهذا التأخير من آثار سلبية على السؤال وأهميته.

3. إيلاء النواب الاهتمام اللازم بالأسئلة وعدم الإفراط في توجيهها، وحصرها بالقضايا المهمة، والتأكيد على حق النائب تحويل سؤاله إلى استجواب بعد مرور شهر على توجيه السؤال، إذا لم تقم الحكومة بالإجابة عنه.

4. اعتبار أن النواب الذين تدرج أسئلتهم على جداول الأعمال ويتغيبون عن الجلسة بدون عذر مسبق، قد اقترفوا مخالفة مزدوجة للنظام الداخلي، ودعوة المكتب الدائم عدم إدراج أسئلة لنواب متغيبين بأعذار مسبقة.
5. دعوة كل نائب يقوم بسحب سؤال كان قد وجهه للحكومة بتوضيح أسباب سحبه للسؤال ومبررات ذلك أمام المجلس.